صبيحة نهار مشمس في العاصمة السويدية ستوكهولم، شد مصطفى درويش رحاله إلى إحدى الحدائق العامة المنتشرة في المدينة. حقيبة سوداء تحوي "عدة الشغل"، وفقا لتعبيره، ومجموعة من القصص المخصصة للأطفال حفظها عن ظهر. ما أن بدأ بقص رواياته حتى تجمع الأطفال حوله، عرب وسويديون. وعلى الرغم من عدم فهمهم للغة، إلا أن تفاعل الأطفال كان مفاجئا وردود فعلهم الإيجابية طرحت في مصطفى الكثير من الفرح والثقة والامتنان.


من منا لا يعرف الحكواتي، ذلك الرجل الكهل الذي يجلس في إحدى زوايا أحد مقاهي الشام العتيقة ويروي قصصا منتقاة من التاريخ العربي عن الفروسية والحب والبطولة والشهامة. اليوم، مصطفى درويش هو حكواتي الشام، بلباسه التقليدي، الطربوش والقمباز والشملة وعصا الخيزران، يجول في حدائق ستوكهولم العامة متأبطا قصصه المشوقة، ناثرا بعضا من صور مقاهي دمشق العتيقة بقالب شبابي وجاذب.
مصطفى درويش، لاجئ سوري في السويد، عشق المسرح منذ زمن طويل وكان له مشاركات في مجموعة من الأعمال المسرحية في دمشق وبيروت، والآن في السويد.
ولد مصطفى عام 1990 في منبج، إحدى مدن ريف حلب شمال سوريا. عام 2011 كان مصطفى يدرس الحقوق في إحدى جامعات بيروت. حينها، كان يتنقل بين لبنان وسوريا بكل سهولة، إلا أن اندلاع المواجهات في بلاده واشتداد حدتها عام 2012 أجبره على البقاء في لبنان.



من طالب جامعي إلى لاجئ


"
فجأة تحولت إلى لاجئ" يقول مصطفى، "بداية لم تتغير حياتي كثيرا، إلا أن أول ما قمت به كان أن تركت الحقوق، أهلي أجبروني على دراستها وأنا لطالما أردت أن أدرس المسرح" يضيف مصطفى ببسمة بريئة.
استقر مصطفى في أحد مخيمات اللاجئين السوريين في منطقة سعدنايل اللبنانية حيث عمل مع منظمة اليونيسف، "كنت أدرس الرياضيات للأطفال في المخيم، كما كنت أقوم بعروض دمى لهم في إطار أنشطة الدعم النفسي".
تجربته في لبنان كانت سيئة للغاية، وفقا لتعبيره، "عانيت كغيري من السوريين من العنصرية، تجديد أوراق الإقامة كان جحيما، كما كنت أعاني على الحواجز الأمنية على الرغم من أني أعمل مع منظمة دولية" يقول مصطفى، يصمت قليلا، ينفث دخان سيجارته ويكمل "كانت تجربة مرعبة".
تجربة اللجوء في لبنان لم تترك له الكثير من الخيارات، فكانت الهجرة المجال الوحيد المفتوح أمامه، خاصة وأن أهله أيضا تركوا سوريا وتوزعوا على السعودية وتركيا والسويد.
من تركيا إلى السويد... رحلة استغرقت شهرا
حول بداية مشواره مع الهجرة يقول مصطفى "عام 2015 سافرت إلى تركيا، مكثت هناك شهرين، حاولت أن أجد عملا لكنني لم أتوفق. توجهت إلى إزمير حيث اتفقت مع أحد المهربين الأتراك هناك على نقلي إلى جزيرة ميتيليني اليونانية مقابل مبلغ 1200 دولار أمريكي".
ويضيف "من ميتيليني إلى أثينا ثم مقدونيا فصربيا فألمانيا فالسويد، المسار المعتاد، الرحلة استمرت شهرا. كنا مجموعة صغيرة من المهاجرين، سوريين وأفغان وجنسيات أخرى".
الرحلة واضحة في ذاكرة مصطفى، يسرد
الكثير من التفاصيل حول الحدود ومغامرات الهرب من دوريات الشرطة، خاصة على الحدود المقدونية والصربية. قصص حول أشخاص ساعدوهم كثيرا، وآخرين كانوا مستعدين للوشاة بهم، كل هذا عكس نفسه مباشرة على شخصية الشاب العشريني الهارب من دوامة العنف العاصفة في بلاده.
"كانت هناك لحظات صعبة جدا إلا أننا اجتزنا الطريق".
التحدي الأكبر هو الطقس!
"وصلت إلى السويد في أيلول 2015. أحسست بالراحة والفرح لنجاحي في اجتياز هذا المشوار الصعب. طبعا فرحتي كانت أكبر حين التقيت بأختي".
في البداية، لم تسر الأمور كما توقع مصطفى، "انتظرت 11 شهرا لأحصل على بطاقة اللجوء المؤقتة. عملت خلال تلك الفترة في إحدى المصابغ. كان علي أن أبدأ بالتعرف على اللغة السويدية وواجهت في ذلك الكثير من المصاعب، إلا أن المشكلة الأكبر والأصعب بالنسبة لي كانت الطقس، لا أعلم كيف يمكن للسويديين الحياة وسط هذا البرد وغياب شبه دائم للشمس!"
على الرغم من المصاعب التي يواجهها مصطفى إلا أنه يقر بأن حياته في السويد جيدة إلى حد بعيد، "الحياة هنا هادئة، لا يوجد مشاكل، أشعر بالسلام والطمأنينة، ولدي عمل أجني منه مدخولي. إجمالا أنا سعيد في هذه البلاد".
"ذكرتني بالشام وقصص الشام..."
"المسرح هو شغفي"، يقول مصطفى، "ما أن حصلت على الإقامة المؤقتة حتى توظفت في المسرح العربي هنا في السويد، أحب أن أتعامل مع الناس وخاصة الأطفال، أن أرسم البسمات على وجوههم وأنقل إليهم بعضا من الأمل".
يستذكر مصطفى بعض الحوادث الطريفة التي حصلت معه خلال أحد العروض في ستوكهولم، "كنت أؤدي على أحد المسارح بشخصية الحكواتي، كان تفاعل الجمهور رائعا، حتى السويديين تفاعلهم كان إيجابيا إلى حد كبير على الرغم من أن العرض كان باللغة العربية. بعد انتهاء العرض، قام أحد الحضور واعتلى خشبة المسرح وحضنني، كان يبكي ويبتسم ويصرخ من الفرح ويقول: ذكرتني بالشام وقصص الشام، مدينتي، شكرا لك".


تلك الحادثة أثرت بمصطفى كثيرا ودفعته إلى العمل على تطوير شخصية الحكواتي أكثر لتتلاءم مع واقع السويد، "أفكر بعرض مسرحي للحكواتي ولكن بلغة أجنبية، أعمل على تطوير الفكرة الآن وأعتقد أنها ستلاقي نجاحا كبيرا".
أحلام الشاب اللاجئ لا تنتهي، فهو ينوي استكمال دراسة المسرح ويكمل عروضه المسرحية وتعريف الناس بثقافته وتاريخ البلاد التي جاء منها، "ما من شيء أفضل لي الآن من أن أقدم عروضا ناجحة وأرسم البسمة على وجوه الناس، وأنقل إلى السويديين وغيرهم جزءا من ثقافتنا العربية وأشاركهم بعضا من ذاكرتي وأحلامي".
سوريا... حنين الذكريات والواقع المؤلم

لا ينكر مصطفى حنينه إلى سوريا ومدينته التي ولد وتربى فيها، فهناك الذكريات والعائلة والأصحاب والتاريخ، بغصة ونظرات حزينة يقول مصطفى "من منا لا يشتاق إلى بلده، خاصة نحن السوريين، ولكن الحياة هناك الآن ما عادت كما كانت، لم يعد لدي أصدقاء هناك، ذكريات تحطمت على صخرة واقع الحرب والعنف والدماء. لم يبق لي هناك سوى أختي وعائلتها".
لحظات صمت عميقة تستقطع كلام مصطفى عن سوريا، "أصبح لدي حياة اجتماعية هنا، فصديقتي تعلمني السويدية وأنا أعلمها بعض العربية". المرح والابتسامة الدائمة على وجه الشاب العشريني يعبران عن مدى حبه للحياة واستعداده لمواجهة المصعب برحابة صدر وحب للتعلم وتكوين الخبرة.