صفحة 1 من 11 1 2 3 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 107
  1. #1

    • Online
    • Super Moderator



    تاريخ التسجيل
    Jul 2013
    المشاركات
    2,677
    شكراً
    59
    شكر 105 مرات في 92 مشاركات

    خطب منبرية مختارة


    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    الحمد لله رب العالمين و صلى الله و سلم على نبينا محمد و على اله و صحبه اجمعين.
    اما بعد يسعدنا ان نقدم لزوار الموقع و خاصة الائمة منهم بعض الخطب المختارة لشيوخ اجلاء تتعلق بمواضيع مختلفة و ذلك للاستفادة منها و الاستئناس بها سائلين الله تعالى التوفيق و السداد للجميع و ان يجزي الخطباء خيرا و ان يبارك لهم في اعمالهم و جهودهم .
    ان ربنا سميع قريب مجيب الدعاء.






    وقفة وعبرة في بيت النبوة
    الخطبة الاولى

    الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مبارَكًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، والشكر له على ما أوْلى من نعمٍ سائغةٍ وأسدى، نحمده سبحانه وهو الولي الحميد، ونتوب إليه جل شأنه وهو التواب الرشيد، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً نستجلب بها نعمه، ونستدفع بها نقمه، وندخرها عُدَّةً لنا يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله نجوم المهتدين، ورجوم المعتدين، ورضي الله عن صحابته الأبرار الذي قاموا بحقِّ صحبته، وحفظ شريعته، وتبليغ دينه إلى سائر أمته، وكانوا خير أمة أخرجت للناس.
    أمَّا بعدُ: فأوصِيكمْ - عِبادَ اللهِ - ونفسِي بتقْوَى اللهِ تعالَى؛ فتقوى الله خير زاد للنجاة يوم المعاد.
    أيُّها الإخوةُ المؤمنونَ:
    يَقُول ربُّنا تباركَ وتعالَى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ }. يخبر تعالى عن حقيقة الدنيا وما هي عليه، ويبين غايتها وغاية أهلها، بأنها لعب ولهو {وَزِينَةً} أي: تزين في اللباس والطعام والشراب، والمراكب والدور والقصور والجاه إلى غير ذلك خلاف من عرف الدنيا وحقيقتها، فجعلها معبرا ولم يجعلها مستقرا، فنافس فيما يقربه إلى اللهكحال نبينا وقدوتنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي جعل هذهِ الآيةَ وأمْثالَها نُصْبَ عَيْنَيْهِ فعَلِمَ أنَّ الدنيا ظِلٌّ زائِلٌ، وخَيالٌ راحِلٌ؛ فلَمْ يَنْشَغِلْ بها، ولَمْ يعملْ لها، وإنَّما كانَ هَمُّهُ الدارَ الآخرةَ ؛ لأنَّها دارُ القرارِ، فعاشَ - عليهِ الصلاةُ والسلامُ - عَيْشَ القَناعَةِ ورضِيَ مِنْها بالقليلِ، وعَمِلَ جاهداً مُخلِصا ً مُتزَوِّدا ً ليومِ الرحيلِ، لا يأخذُ مِنَ الدنيا إلاَّ ما تَدْعوه الحاجَةُ أوِ الضَّرورَةُ إلى أخْذِهِ، يأْكلُ كما يأْكُلُ أيُّ إنسانٍ، ويَلْبَسُ كما يَلْبَسُ أيُّ مَخْلوقٍ، وينامُ علَى فِراشٍ مِنْ جِلْدٍ حَشْوُهُ لِيفٌ، لا يَرَدُّ مَوْجوداً ولا يتَكَلَّفُ مَفْقوداً، وما عابَ طعاماً قَطُّ، إنِ اشتَهاهُ أكلَهُ وإلاّ ترَكَه. يَرْكَبُ البَغْلَةَ والحِمارَ، ويَخْصِفُ نَعْلَه، وَيرْقَعُ ثوبَه، ويُعينُ أهلَهُ في البَيْتِ صلوات الله وسلامه عليه.
    هَذا عمرُ بنُ الخطابِ - رضي الله عنه - يَصِفُ لنا بعضَ عَيْشِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وحالِهِ إذْ يقولُ: دَخَلْتُ علَى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وهوَ مُضْطَجِعٌ علَى حَصيرٍ فجلَسْتُ، فأدْنَى عليهِ إزارَهُ وليسَ عليهِ غَيْرُه، وإذا الْحَصيرُ قَدْ أثَّرَ في جَنْبِه، فنَظَرْتُ ببَصَرِي في خِزانَةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فإذا أنا بقَبْضَةٍ مِنْ شعيرٍ نَحْوِ الصَّاعِ، ومِثْلِها قَرَظاً ورقُ السَّلَمِ يُدْبَغُ به"في ناحيةِ الغُرْفَةِ، وإذا أَفِيقٌ مُعَلَّقٌ"جِلْدٌ لمْ يُدْبَغْ "قالَ: فابتَدرَتْ عَيْنايَ"يَعْنِي بَكَى". قال:"ما يُبكِيكَ يا ابنَ الخطابِ؟!" قلْتُ: يا نبيَّ اللهِ ومالِي لا أبْكي وهَذا الحصَيرُ قَدْ أثَّرَ في جَنْبِكَ، وهذِهِ خِزانَتُكَ لا أرَى فيها إلاّ ما أرَى، وذاكَ قَيْصَرُ وكِسْرَى في الثمارِ والأنهارِ وأنتَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وصَفْوَتُهُ، وهذِهِ خِزاَنتُكَ ؟! فقالَ: «يا ابنَ الخطابِ أَلا تَرْضَى أنْ تكونَ لنا الآخرةُ ولهمُ الدُّنيا؟» [ أخرجَه مسلمٌ ].
    وَهَذِهِ عائشةُ رضِيَ اللهُ عَنْها تَصِفُ لابنَ أُخْتِها عُرْوَةَ عيش النبي – صلى الله عليه وسلم- في أبياته: «واللهِ يا ابنَ أُختِي إنْ كنَّا ننظرُ إلى الهلالِ ثُمَّ الهلالِ ثُمَّ الهلالِ ثلاثةُ أهِلَّةٍ في شهرينِ وما أُوقِدَ في أبياتِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نارٌ». قالَ: يا خالَةُ فما كانَ يُعيشُكُمْ؟ قالَتْ: «الأسْوَدانِ: التمرُ والماءُ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِيرَانٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَكَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ، فَكَانُوا يُرْسِلُونَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَلْبَانِهَا، فَيَسْقِينَاهُ» [أخرجَهُ البخاريُّ ومسلمٌ]، وتَقُولُ عَائِشَة رضِيَ اللهُ عَنْها: «لقد مَاتَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا شبع من خبز وزيت فِي يَوْم وَاحِد مرَّتَيْنِ» [أخرجه مسلم]، ويَقُولُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رضِيَ اللهُ عَنْهما: أَلَسْتُمْ فِي طَعَامٍ وَشَرَابٍ مَا شِئْتُمْ؟ «لَقَدْ رَأَيْتُ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ، مَا يَمْلَأُ بِهِ بَطْنَهُ» [رواه مسلم]. والدّقَل هو التمر الردئ.
    وربَّما باتَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - طاوِياً بلا عَشَاءٍ كَما قالَ ابنُ عباسٍ رضِيَ اللهُ عَنْهما: «كانَ يَبيتُ اللياليَ المتَتابعةَ طاوِياً، وأهلُهُ لا يَجِدونَ عَشاءً، وكانَ أكثرُ خُبْزِهمْ خبزَ الشعيرِ».[أخرجَه الترمذيُّ]،
    عباد الله:
    وأمَّا لِباسُهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ فقَدْ كانَ يَلْبَسُ ما تَيَسَّرَ مِنَ الصوفِ وغيرِهِ، وقَدْ لَبِسَ الشَّعْرَ الأسْوَدَ، فعَنْ عائشةَ رضِيَ اللهُ عَنْها قالَتْ:"خرجَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وعليه مِرْطٌ مُرَحَّلٌ - أيْ كِساءٌ فيهِ خطوطٌ - مِنْ شَعْرٍ أسْوَدَ"[أخرجَهُ مسلمٌ]. وكانَ غالِبُ ما يَلْبَسُ هوَ وأصحابُهُ ما نُسِجَ مِنَ القطنِ وربَّما لَبِسُوا ما نُسِجَ مِنَ الصوفِ والكَتَّانِ، وكانَ له حُلَّةٌ يلبَسُها للعيدينِ والجمعةِ.
    وأمَّا فِراشُهُ صلوات الله وسلامه عليه فوَصَفَتْهُ عائشةُ رضِيَ اللهُ عَنْها بقولِها: كانَ فِراشُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مَنْ أَدَمٍ "أيْ جِلْدٍ" وحَشْوُه مِنْ لِيفٍ".[متفقٌ عليهِ].
    وكانَ ينامُ علَى الْحَصِيرِ فيؤثِّرُ في جَنْبِه، كما وراه عنه ابن مسعود رضي الله عنه [اخرجه الترمذي].
    ولمْ يكنْ عليهِ الصلاةُ والسلامُ لِيَسْكُنَ قصوراً مُنِيفةً، ولا دُوراً بالزينةِ موصوفةً، وإنَّما كانَ يسكنُ حُجَراتٍ متواضِعَةً مِنْ طينٍ، لكلِّ زَوْجٍ مِنْ أزواجِهِ حُجْرَةٌ.
    لقدْ ماتَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ولمْ يتركْ وراءَهُ شيئا ًإلاّ ما كانَ لا بُدَّ مِنْه . قالَ عَمْرُو بنُ الحارثِ - رضي الله عنه -: "ما تركَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عِنْدَ موتِهِ درهما ًولا ديناراً، ولا عَبْدا ًولا أَمَةً ولا شيئاً، إلاّ بغلَتَهُ البيضاءَ وسلاحَهُ وأرضاً جعلَها صدقةً". [أخرجَهُ البخاريُّ].
    فاللهم ارزقنا اتباعه ظاهرا وباطنا واحشرنا في زمرته واسقنا من حوضه واغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين أجمعين إنك أنت الغفور الرحيم.
    الخطبة الثانية
    الحمدُ للهِ علَى إحسانِهِ، والشكرُ له علَى تَوْفيقِهِ وامتنانِهِ، وأشهدُ أنْ لا إلَهَ إلاّ اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له تعظيماً لشانِهِ، وأشهدُ أنَّ محمدا ًعبدُهُ ورسولُهُ الداعِي إلى رضوانِهِ، صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وعلَى آلهِ وأصحابِهِ.
    أمَّا بعدُ: فلقَدْ ربَّى رسولُ - صلى الله عليه وسلم - أصحابَهُ علَى التقَلُّلِ مِنَ الدنيا، والرغْبَةِ في ما عِنْدَ اللهِ في الدارِ الآخرةِ، والآخرةُ خيرٌ وأبقَى. فهَذا مُصْعَبُ بنُ عُمَيرٍ - رضي الله عنه - فَتَى قريشٍ المدلَّلُ والشابُّ المنَعَّمُ، كانَ يلبسُ أجملَ اللباسِ، ويتطيَّبُ بأفضلِ الطيبِ، تحوَّلَ بعدَ إسلامِهِ إلى فَتىً زاهِدٍ مُتَقلِّلٍ مِنَ الدنيا أيَّما تَقَلُّلٍ، ولَما قُتِلَ يومَ أُحُدٍ تركَ نَمِرَةً "بُرْدَةٌ أوْ إزارٌ مِنْ صوفٍ مُخَّططٍ"، يقولُ خَبَّابٌ - رضي الله عنه -: "فإذا غَطَّيْنا رأْسَهُ بَدَتْ رِجْلاه، وإذا غَطَّيْنا رِجلَيْهِ بَدا رأْسُهُ فأمَرنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنْ نُغَطِّيَ رأْسَهُ ونجعلَ علَى رِجَليْه ِشيئاً مِنَ الإذْخِرِ."نَبْتٌ طيِّبُ الرائحِة"[أخرجَهُ البخاريُّ ومسلمٌ]، وسَعْدُ بنُ أبي وقَّاصٍ - رضي الله عنه - يقولُ: "لقَدْ كنَّا نغزُو مَعَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ما لنا طعامٌ إلاَّ وَرَقُ الْحُبْلَةِ وهذا السَّمُرُ "نوعانِ مِنْ شجرِ الباديةِ"، حتىَّ إنَّ أحَدَنا لَيَضَعُ ـ كنايةً عَنِ الغائِطِ ـ كما تَضَعُ الشاةُ ما لَهُ خِلْطٌ"[متفقٌ عليه]، ورَوَى فَضَالةُ بنُ عُبَيْدٍ - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كانَ إذا صَلَّى بالناسِ يَخِرُّ رجالٌ مِنْ قامَتِهم في الصلاةِ مِنَ الخَصاصَةِ،-أيْ مِنَ الجوعِ الشديدِ- وهُمْ أصحابُ الصُّفَّةِ حتَّى يقولَ الأعرابُ: هؤلاءِ مجانينُ. فإذا صلَّى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - انصرفَ إليهمْ فقالَ: "لوْ تعلمونَ ما لكمْ عِنْدَ اللهِ تعالَى لأَحْبَبْتُمْ أنْ تَزْدادوا فاقَةً وحاجَةً"[أخرجَه الترمذيُّ].
    وبعد أيها الناس فهذه حال نبينا وصحابته الكرام مع هذه الدنيا الفانية بخلاف حالنا اليوم تمسك بالدنيا وتنافس فيها وتخاصم وبغضاء من أجل الدنيا فإن العبد إذا عاش بالرفاهية واهتم بتنعيم جسده فإنه ولا شك سيغفل عن تنعيم قلبه وصار أكبر همه تنعيم هذا الجسد الذي مآله الى الديدان والفناء وهذا هو البلاء الحقيقي بل ويزداد الأمر سوءًا أن نستعين بهذه النعم – نعم المال والمسكن والمركب وغيرها – نستعين بها على معاصي الله (أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ) فاهتموا بصلاح قلوبكم تنعموا في أولاكم وأخراكم.
    اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام لاتجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، اللهم إنا نسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تغفر لنا وترحمنا وتتوب علينا ، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين، اللهم احفظنا بالإسلام قائمين واحفظنا بالإسلام قاعدين واحفظنا بالإسلام راقدين ولا تشمت بنا أعداء و لا حاسدين ، اللهم إنا نسألك من كل خير خزائنه بيدك ، ونعوذ بك من كل شر خزائنه بيدك .
    اللهم أصلح أحوالنا ونياتنا وذرياتنا واختم بالصالحات أعمالنا وبلغنا فيما يرضيك آمالنا. اللهم احفظ بلادنا من كل سوء ومكروه، واحفظها من كل شر وفتنة يا رب العالمين، اللَّهُمَّ رد كيد الكائدين في نحورهم وكفنا شرورهم إنك على كل شيء قدير، اللَّهُمَّ احفظ علينا أمننا وإيماننا واستقرارنا في أوطاننا ولا تسلط علينا ذنوبنا ما لا يخافك فينا ولا يرحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين.
    اللهم من أرادنا وأراد ديننا وبلادنا وأمننا بسوء اللهم فأشغله في نفسه واجعل كيده في نحره واجعل تدبيره تدميراً عليه يا رب العالمين.
    اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين، اللهم ارحم المستضعفين من المسلمين في كل مكان، اللهم ارفع البلاء عن المستضعفين من المسلمين في كل مكان، اللهم احقن دماء المسلمين، اللهم احفظ عليهم دينهم وأمنهم وأعراضهم وأموالهم، اللهم أطعم جائعهم واكس عاريهم وفك أسيرهم واشف مريضهم يا رب العالمين، اللهم اكفنا والمسلمين شر الأشرار وكيد الفجار، اللهم ولّ على المسلمين خيارهم واكفهم شرارهم يا رب العالمين، اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك ويقاتلون أهل دينك اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك, اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين يا قوي يا عزيز، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات إنك سميع قريب مجيب الدعوات، اللهم صلّ وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين .
    الشيخ وليد الشعبان






    التعديل الأخير تم بواسطة cbechir ; 03-03-16 الساعة 02:50 PM

  2. #2

    • Online
    • Super Moderator



    تاريخ التسجيل
    Jul 2013
    المشاركات
    2,677
    شكراً
    59
    شكر 105 مرات في 92 مشاركات
    اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك
    الخطبة الاولى

    إن الحمدَ للهِ نحمدُهُ ونستَعينُهُ ونستَغفرُهُ، ونعوذُ باللهِ من شرُورِ أنفسِنا وسيئاتِ أعمالنا، منْ يهدِه اللهُ فلا مضلَّ له، ومنْ يضللْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ، وأشهدُ أن محمّداً عَبدُهُ ورسولُهُ، صلى اللهُ عليه وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَمَ تسلِيماً كَثِيراً. أمّا بعد، أيها المسلمون:
    اتقوا الله تعالى, واعلموا أنكم فقراء إلى الله, لا تستغنون عنه طرفةَ عين, في جميع أموركم, ï´؟ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ï´¾. فقراء في إيجادهم، فقراء في إِعدادِهِم بِالقُوَى والأعضاء والجوارح، فقراء في إمدادِهِم بالأقوات والأرزاق والنعم الظاهرة والباطنة، فقراء في صرف النقم عنهم، ودفع المكاره، وإزالة الكروب والشدائد. فقراء إليه في تربيتهم بأنواع التربية، وأجناس التدبير. فقراء إليه، في تأَلُّهِهِم له، وحبهم له، وتعبدهم، وإخلاص العبادة له تعالى، فلو لم يوفقهم لذلك لهلكوا، وفسدت أرواحهم، وقلوبهم وأحوالهم. فقراء إليه في تعليمهم ما لا يعلمون، وعملهم بما يصلحهم. فهم فقراء بالذات إليه، بكل معنى، وبكل اعتبار، سواء شعروا ببعض أنواع الفقر أم لم يشعروا، ولكن الموفق منهم، الذي لا يزال يشاهد فقره في كل حال من أمور دينه ودنياه، ويتضرع له، ويسأله أن لا يكله إلى نفسه طرفة عين، وأن يعينه على جميع أموره، ويستصحب هذا المعنى في كل وقت، فهذا أحرى بالإعانة التامة من ربه وإلهه، الذي هو أرحم به من الوالدة بولدها.
    ومن أعظم علامات شعور العبد بفقره إلى الله, كثرةُ استعاذته بالله من الشرور والمكروهات, والتي منها ما رواه مسلم عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك, وتَحَوُّلِ عافيتك, وفُجاءةِ نقمتك, وجميع سخطِك ). فالعبد لا يستغني عن ربه طرفة عين, في اللجوء إليه والإعتصام به من هذه المكروهات: أولها قوله: أعوذ بك من زوال نعمتك: لأن الله وحده هو مُعْطِي النِّعَم, كما قال تعالى: ï´؟ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ï´¾. لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع. وأعظم نعمة هي نعمة الإسلام ثم الأمن والصحة والرزق الحسن, وغير ذلك من حَسَنَةِ الدنيا. فتستعيذ بواهِبِها وهو الله من زوال هذه النعم. وهذه الإستعاذة تتضمن أيضاً السلامة من الذنوب التي هي أول أسباب زوال النعم.
    وقال أيضاً: وَتَحَوُّلِ عافِيَتِك: و تحول العافية هو انتقالها إلى ضدها. والعافية تشمل أموراً خمسة هي: الدين والبدن والوطن والأهل والمال.
    فتحوُّلُ العافية في الدين يكون بتحول العبد من الهُدَى إلى الضلال, ومن التوحيد إلى الشرك, ومن السنة إلى البدعة. ومن الطاعة إلى المعصية.
    وتحوُّلُ العافية في البدن يكون من القوة إلى الضعف, ومن الصحة إلى المرض.
    وتَحَوُّلُ العافية في الوطن يكون من الأمن إلى الخوف, ومن الإستقرار والسكون إلى الفوضى, ومن السعة في الأرزاق إلى الضيق وشدة المُؤنة, ومن الإجتماع إلى الفرقة والإختلاف.
    وتَحَوُّلُ العافية في الأهل يكون بالتشتت والتقاطع وضعف الدين وأواصر المحبة والأُلْفَة.
    وَتَحَوُّلُ العافية في المال يكون بسَلْبِهِ وتَلَفِه أو تسليط الظَّلَمَةِ عليه أو مَحق بركته, أو كونِهِ وبالاً على صاحبه, أو فساد طُرُقِ التكسُّبِ فيه من الربا أو الرشوة أو الغش وما شابه ذلك.
    وقال أيضاً: وفجأة نقمتك: وهي الأخذ بغتة. وهي التي تأخذ الإنسان من حيث لا يكون عنده سابق إنذار وإخطار وتحذير فيؤخذ من مأمنه حينما تفجأه النقمة ويبغته العذاب. ويدخل في الأخذ بغتة: مفاجأة الإنسان بالموت وهو مقيم على معصية, أو لم يتب من ذنوبه ويتخلص مما عليه من حقوق ومظالم. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر: ( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ). فكان عبد الله بعد ذلك يقول: " إذا أصبحت فلا تنتظر المساء, وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح ". لأن العبد لا يدري متى يفجأه الموت, فلا بد أن يكون مستعداً طيلة حياته.
    باركَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ الْعَظِيم ؛ وَنَفَعنِي وَإِيّاكُمْ بِمَا فِيِه مِنْ الآيَاتِ وَالذّكرِ الْحَكِيم؛ أَقُولُ مَا تَسْمَعُون وَاسْتَغْفُرُ اللهَ لِي وَلَكُم وَلِسَائرِ الْمُسْلِمِين مِنْ كُلِّ ذَنبٍ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم.
    الخطبة الثانية
    الحمدُ للهِ ربِّ العَالَمِين, وَالعَاقِبةُ للمُتّقِين, وَلا عُدوانَ إِلا عَلَى الظَّالِمين, وَأَشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ, وَأَشهدُ أَنَّ مُحَمّداً عَبدُهُ وَرَسُولُهُ, صَلَى اللهُ عَليْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلّمَ تَسلِيماً كَثِيراً. أما بعد:
    عباد الله: الأمر الرابع الذي استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم قوله: "وجميع سخطك " وهذا تعميم بعد تخصيص. فهو يستعيذ بالله تعالى ويعتصم به من جميع الشرور والأمور التي توجب سخط الله تعالى, من الشرك والبدع وسائر المعاصي. ومن أعظم أسباب السخط: ترك ما أوجب الله تعالى على عباده من القيام بحقوقه وحقوق خلقه. روى مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من الفراش, فالتمسته, فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد, وهما منصوبتان وهو يقول: " اللهم أعوذ برضاك من سخطك, وبمعافاتك من عقوبتك, وأعوذ بك منك, لا أحصى ثناء عليك, أنت كما أثنيت على نفسك ".
    فاتقوا الله عباد الله واحرصوا على بذل أسباب سلامتكم في الدنيا والآخرة ولا تحرموا أنفسكم من الدعاء بما ورد في هذا الحديث وغيره وحافظوا على ذلك وداوموا عليه.
    اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك وتحوّل عافيتك وفُجاءة نقمتك وجميع سخطك، اللهم ثبتنا بقولك الثابت في الحياة الدنيا والآخرة، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وفقهنا في دينك يا ذا الجلال والإكرام، اللهم آتِ نفوسنا تقواها وزكّها أنت خير من زكاها, أنت وليّها ومولاها، اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم احفظنا بالإسلام قائمين واحفظنا بالإسلام قاعدين واحفظنا بالإسلام راقدين ولا تُشمت بنا أعداء ولا حاسدين، اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين وأذلَّ الشرك والمشركين واحمِ حوزةَ الدين، وانصر عبادك المؤمنين في كل مكان، اللهم أصلح أحوال المسلمين، اللهم انصر المستضعفين من المؤمنين، اللهم احقن دماء المسلمين، اللهم ارفع البلاء عن المستضعفين من المؤمنين في كل مكان، اللهم ارفع البلاء عن إخواننا في سوريا، اللهم ارفع البلاء عنهم واكشف كربهم واشفِ مريضهم وفكّ أسيرهم واربط على قلوبهم، وانصرهم على من ظلمهم وعاداهم يا قوي يا عزيز، اللهم عليك بالكفرة والملحدين الذين يصدون عن دينك ويقاتلون عبادك المؤمنين اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم زلزلهم وزلزلِ الأرض من تحت أقدامهم، اللهم فرّق كلمتهم وشتت شملهم وسلط عليهم مَنْ يسومهم سُوء العذاب، اللهم مكّن المؤمنين منهم واجعلهم غنيمة سائغة للمؤمنين يا قوي يا متين يا رب العالمين، اللهم احفظ لهذه البلاد وكافة بلاد المسلمين دينها وعقيدتها وأمنها وعزتها وسيادتها، اللهم احفظها ممن يكيد لها، اللهم وفق حكامها وأعوانهم لما فيه صلاح أمر الإسلام والمسلمين، وبصّرهم بأعدائهم يا حي يا قيوم، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات إنك سميع قريب مجيب الدعوات ï´؟ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ï´¾.
    الشيخ أحمد العتيق





  3. #3

    • Online
    • Super Moderator



    تاريخ التسجيل
    Jul 2013
    المشاركات
    2,677
    شكراً
    59
    شكر 105 مرات في 92 مشاركات
    كفالة اليتيم
    الخطبة الاولى
    الحمد لله الرحمن الرحيم ، ذي الفضل العظيم ، أمر بالإحسان إلى اليتيم ، ووعد من أحسن إليه جنات النعيم ، وتوعد من أساء إليه بالعذاب الأليم .

    أحمده سبحانه من إله ، خبير عليم عظيم كريم ، } يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ { .

    وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، وصفيه وخليله ، أرسله رحمة للعالمين ، وقدوة للسالكين ، } فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ { صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين .

    أما بعد عباد الله :
    اتقوا الله U ، فقد أمركم سبحانه بذلك ، فقال : } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ { جعلني الله وإياكم من عباده المتقين .
    أيها الأخوة المؤمنون :
    الإحسان إلى اليتيم ، ورعايته والاعتناء به وكفالته ، من أعظم القربات إلى الله تعالى ، يقولU : } فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ، فَكُّ رَقَبَةٍ ، أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ، يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ { يقول ابن كثير في تفسيره : } فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ { أي أفلا سلك الطريق التي فيها النجاة والخير .
    فالإحسان إلى اليتيم ، طريق للنجاة والخير للإنسان ، ولذلك يقول النبي r في الحديث الصحيح : (( أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا )) وأشار بأصبعيه التي تلي الإبهام والوسطى ، وفرج بينهما ، وفي موطأ الإمام مالك ، يقول النبي r : (( ‏ ‏أنا وكافل اليتيم له أو لغيره في الجنة كهاتين إذا اتقى )) ، ‏وأشار ‏ ‏بإصبعيه الوسطى والتي تلي ‏ ‏الإبهام ‏.
    فالذي يكفل اليتيم ، ويحسن إليه ، ويعتني به ، على خير عظيم ـ أيها الأخوة ـ سواء كان له أو لغيره ، سواء كان قريبا من أقاربه ، أو بعيدا عنه لا تربطه معه أي صلة قرابة .
    أيها الأخوة المؤمنون :
    هل رأيتم دينا أجمل وأكمل من هذا الدين ، الذي يرعى أطفالك حتى بعد موتك ، ويأمر بالإحسان إليهم ، والاعتناء بهم ورعايتهم ، يعوضهم ذلك الحنان الذي فقدوه بفقدك ، يعوضهم تلك المحبة ، التي انتهت بنهايتك ، يجعل من حولهم ومن يحتك بهم ، يتعامل معهم بكل ما يسعدهم ، وينسيهم يتمهم ، تحفظ أموالهم لأنهم صغارا لا يدركون مصالحهم ، تطعم جوعتهم ، تكسى عورتهم ، لا يعبس في وجوههم ، جعل الله ذلك وسيلة وطريقا للجنة لمن أراد الجنة ، وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد ، يقول النبي r : (( من مسح رأس يتيم لم يمسحه إلا لله ، كان له بكل شعرة مرت عليها يده حسنات ، ومن أحسن إلى يتيمة أو يتيم عنده كنت أنا وهو في الجنة كهاتين )) .
    فهل رأيت أخي أجمل وأفضل وأكمل من الإسلام ، سل نفسك ـ أخي ـ تأمل في وضع أبنائك ، لو كانوا أيتاما ، من يحفظ لهم كرامتهم ؟ من يعتني بهم ؟ من يرعى مصالحهم ؟ من يحسن إليهم ؟
    فاحمد الله ، على هذا الدين العظيم ، وتمسك به ، وعض عليه بالنواجذ ، وأبشر بحفظ ذريتك في حياتك وبعد وفاتك ، فقد حفظ الله كنز اليتيمين ، بسبب صلاح أبيهما ، تأمل قول الله تعالى :} وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا { فبسبب صلاح أبيهما ، قيظ الله من يبني الجدار ، الذي تحته الكنز ، ليبقى لهما كنزهما حتى يبلغا أشدهما ويستخرجاه كما قال تبارك وتعالى .
    أيها الأخوة المؤمنون :
    ومما جاء به الدين ، التحذير من الإساءة إلى الأيتام ، فالذي يستغل ضعف الأيتام ، ويتعدى على حقوقهم ، فإنه على خطر عظيم ، يقول تبارك وتعالى : } وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا { ويقول أيضا : } إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا { وفي الحديث الذي رواه النسائي عن أبي شريح t أن النبي r قال : (( اللهم إني أحرج حق الضعيفين ، اليتيم والمرأة )) ومعنى أحرج أي ألحق الحرج وهو الإثم بمن ضيع حقهما .
    فاتقوا الله ـ عباد الله ـ وأحسنوا لأيتامكم وأيتام غيركم ، لتحضوا بصحبة نبيكم r بالجنة .
    اسأل الله لي ولكم علما نافعا وعملا صالحا وسلامة دائمة ، إنه سميع مجيب ، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
    الخطبة الثانية
    الحمد لله على إحسانه ، والشكر له على توفيقه وامتنانه ، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له تعظيما لشأنه ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا .
    أيها المسلمون :
    ومما جاء به الدين ، وحذر منه رب العالمين: التعرض لليتيم بالأذى ، مهما كان نوعه ، سواء كان ضربا أو شتما أو إهانة أو إذلالا أو تسلطا، فلينتبه بعض الناس لهذا الأمر المحرم ، وليحذروا هذه الكبيرة العظيمة ، يقول تبارك وتعالى : } فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ {
    ومما لا شك فيه أن اليتيمَ يَحتاج إلى تربية وتأديب ، وعلى كافله أن يحرِص على توجيهه ونفعِه من غير عقاب حسِّي أو معنوي ، لكن لو رأى كافلُ اليتيم أنَّ من المصْلحة معاقبة اليتيم معاقبةً بدنيَّة ليكفَّ عن سلوك غير مرْضي ، أو ليدرِّبه على طاعة ، فيجوز في حدود الأدَب من غير ضررٍ؛ لعموم قولِه تعالى : } وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ { ، فيصنع معه ما هو صانع مع ولدِه ، وكذلك المعلِّم له ضرْب اليتيم للمصلحة ، وقد أمر النَّبيُّ r بتأديب الصِّغار بالضَّرب على ترْك الصَّلاة ، فيدخل فيهم اليتيم .


    اللهم يا ذا الجلال والإكرام ، اللهم إنا نسألك رضاك والجنة ونعوذ بك من سخطك والنار ، اللهم ارزقنا طاعتك ومحبتك وكل عمل يقربنا لرضاك برحمتك يا أرحم الراحمين .
    اللهم إنا نسألك جنتك ونعوذ بك من نارك ، اللهم أحينا سعداء وتوفنا شهداء واحشرنا في زمرة الأتقياء يا رب العالمين .
    اللهم منّ علينا بصلاح أبنائنا ، اللهم أقر عيوننا بهدايتهم وصلاحهم واستقامتهم ، اللهم اجعلهم هداة مهتدين ، لا ضالين ولا مضلين ، اللهم وفقهم لهداك ، واجعل عملهم برضاك ، برحمتك يا أرحم الراحمين .
    اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير واجعل الموت راحة لنا من كل شر اللهم اجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر برحمتك يا أرحم الراحمين .
    اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا ، اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا ، هنيئًا مرئيًا ، سحًا مجللاً ، عامًا نافعًا غير ضار، عاجلاً غير آجل ، اللهم تُسقي به البلاد ، وتغيث به العباد ، وتجعله بلاغًا للحاضر والباد ، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا بلاء ولا غرق ، اللهم اسق عبادك وبلادك وبهائمك ، وانشر رحمتك ، وأحي بلدك الميت .
    } رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ {
    عباد الله :
    } إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ { فاذكروا الله العظيم يذكركم ، واشكروه على وافر نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون .
    الشيخ / عبيد بن عساف الطوياوي



  4. #4

    • Online
    • Super Moderator



    تاريخ التسجيل
    Jul 2013
    المشاركات
    2,677
    شكراً
    59
    شكر 105 مرات في 92 مشاركات

    واجب المؤمن نحو النبي صلى الله عليه وسلم
    الخطبة الاولى

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، وأمينه على وحيه، ومبلغ الناس شرعه، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
    عباد الله؛ اتقوا الله، فإن من اتقى الله وقاه، وأرشده إلى خير أمور دينه ودنياه.
    معاشر المؤمنين، إن نعم الله جل وعلا كثيرة لا تحصى، عديدة لا تستقصى، وإن من أجل نعمه سبحانه أن بعث فينا رسولاً كريماً، وناصحاً أمينًا، ومعلّماً مشفقاً، ومربيًّا ناصحاً، صلوات الله وسلامه عليه.
    أرسله بشيرًا ونذيرًا، ورحمةً للعالمين، ومحجَّةً للسالكين، وضياء يهدي به الله إلى طريقه المستقيم، ï´؟ قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ï´¾،ï´؟لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌï´¾،ï´؟ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ï´¾.
    عباد الله؛ إن نعمة بعثة الرسول الكريم نعمة عظيمة، ومنة كبيرة، والواجب نحو هذا الرسول عليه الصلاة والسلام واجب كبير، وهذه وقفة عباد الله بل وقفات في بيان الواجب علينا نحو رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه.
    ما الواجب على من آمن به صلوات الله وسلامه عليه، وما هي الحقوق التي على الأمة نحوه صلى الله عليه وسلم.
    عباد الله فمن الإيمان به؛ اعتقاد أنه مبلغ عن الله كما قال الله تعالى: ï´؟وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُï´¾.
    واعتقاد أنه صلى الله عليه وسلم بلغ دين الله وافياً تامًّا كاملاً بلا زيادة ولا نقصان ï´؟يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِï´¾، ولم يمت عليه الصلاة والسلام حتى أنزل الله جل وعلا في ذلك تنصيصا وتبيينا قوله سبحانه ï´؟الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًاï´¾.
    ومن الإيمان عليه الصلاة والسلام اعتقاد أن الدين الذي بلغه والشريعة التي جاء بها هي شريعة الإسلام، دين الله جل وعلا الذي لا يقبل الله دينا سواه، قال الله تعالى: ï´؟ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ï´¾، وقال جل وعلا: ï´؟ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ï´¾.
    ومن الإيمان به عليه الصلاة والسلام اعتقاد أنه خاتم النبيين، فلا نبي بعده كما قال الله تعالى: ï´؟ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ï´¾، وفي سنن أبي داود من حديث ثوبان، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تقوم الساعة حتى يخرج دجَّالون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي ولا نبي بعدي وأنا خاتم النبيين".
    ومن الإيمان به عليه الصلاة والسلام اعتقاد عموم رسالته، فهو عليه الصلاة والسلام رسول للعالمين، ورحمة للناس أجمعين، قال الله تعالى: ï´؟ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ï´¾، بل إنه عليه الصلاة والسلام مبعوث للثقلين الإنس والجن، قال الله تعالى: ï´؟ وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ï´¾ .... الآيات.
    ومن الإيمان عباد الله؛ اعتقاد فضله وكماله في عبادة الله، والقيام بأعباء الرسالة على التمام والكمال، فهو صلى الله عليه وسلم أفضل الناس طاعة لله، وأكملهم عبادة وتقوى وإيمانا وتحقيقا للعبودية، قال عليه الصلاة والسلام: "إن أعلمكم بالله وأتقاكم لله أنا"، ولهذا وصفه الله تعالى في القرآن بقوله: ï´؟لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًاï´¾.
    ومن حقوقه عليه الصلاة والسلام على أمته محبته صلى الله عليه وسلم وتقديم محبته على النفس والنفيس، والوالد والولد والتجارة وغير ذلك، جاء في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين"، وفي صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله والله لأنت أحب من كل شيء إلا من نفسي، قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه، قال عمر: والله لأنت الآن أحب إلي حتى من نفسي، قال: الآن يا عمر".
    رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بك من نفسك، ويجب أن تقدم محبته على محبتك لنفسك، وأن تقدم طاعته على طاعتك لنفسك، واقرأ هذا في القرآن ï´؟النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْï´¾، ومعنى الآية أنه عليه الصلاة والسلام أولى بك من نفسك، فمحبته مقدمة على محبتك لنفسك، وطاعته عليه الصلاة والسلام مقدمة على طاعتك لنفسك، وهو مقدم في المحبة عليه الصلاة والسلام على النفس والوالد والولد والتجارة وغير ذلك من محاب الناس، قال الله تبارك وتعالى: ï´؟قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواï´¾.
    وليست محبة النبي صلى الله عليه وسلم مجرد دعوى تدعى، فإن الدعاوى يسيرة على كل لسان، سهلة على كل إنسان، وإنما العبرة عباد الله ليست بالدعاوى وإنما بتحقيق المحبة حقا وصدقا، ولذلك علامة مبينة في القرآن قال الله تعالى: ï´؟قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ï´¾.
    ولهذا عباد الله فإن حقيقة محبة الرسول عليه الصلاة والسلام طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، والانتهاء عما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع عليه الصلاة والسلام.
    ليست من محبة النبي عليه الصلاة والسلام إحداث البدع وإنشاء المخترعات والأهواء ولو كان المراد بها التعبير عن محبة النبي عليه الصلاة والسلام، وقد قال عليه الصلاة والسلام في حديثه الصحيح الثابت: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد".
    وليس من محبة النبي صلى الله عليه وسلم الغلو فيه، ورفعه عن درجة العبودية والرسالة، بالإضفاء عليه شيئا من خصائص الله تبارك وتعالى، سواء في الربوبية أو الألوهية أو الأسماء والصفات، ولما سمع النبي عليه الصلاة والسلام بعض الغلو حذر من أشد التحذير، في أحاديث كثيرة ونصوص متكاثرة، سمع رجلا يقول: ما شاء الله وشئت، فغضب عليه الصلاة والسلام: بل ما شاء الله وحده، أجعلتني لله ندًّا، وسمع امرأة تقول: وفينا رسول الله يعلم ما في غد، فغضب عليه الصلاة والسلام وقال: لا يعلم ما في غد إلا الله، وقال صلى الله عليه وسلم: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما عبد فقولوا: عبد الله ورسوله"، وقال عليه الصلاة والسلام: "إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين".
    وجاء عنه في هذا المنى أحاديث كثيرة عباد الله، فليست من محبته في شيء الغلو فيه صلى الله عليه وسلم، بل إنه في لحظاته الأخيرة وأنفاسه الأخيرة سمعته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها يقول: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، قالت عائشة رضي الله عنها: يحذر مما صنعوا.
    عباد الله، ومن الإيمان به وحقه على أمته صلى الله عليه وسلم نصرته وتعزيره وتوقيره، قال الله تبارك وتعالى: ï´؟إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًاï´¾، وتعزيره عليه الصلاة والسلام: نصرته، وتوقيره: محبته واحترامه صلى الله عليه وسلم.
    وقد جاء ـ عباد الله ـ ذكر النصرة في القرآن مقرونا بالاتباع، قال الله تبارك وتعالى:ï´؟فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَï´¾، وبهذا يعلم أن النصرة ـ عباد الله ـ لابد فيها من اتباع وائتساء واقتداء بالرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، وأن يكون نهج الإنسان في النصرة نهج المهاجرين والأنصار ومن اتبعهم من السلف الأخيار، فليست النصرة أهواء تتبع، أو أمور تحدث وتنشأ، وإنما هي دين الله والتزام بقيود الشريعة وآداب الإسلام فيما يأتي الإنسان ويذر، فبهذا ينال العبد الفلاح في الدنيا والآخرة.
    نسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يجعلنا أنصارًا لله ولرسوله ودينه حقا وصدقا، وأن يوفِّقنا لمحبة نبيه الكريم محبة مقدمة على محبة النفس والنفيس والوالد والولد، وأن يوفقنا لاتباعه والاقتداء به صلى الله عليه وسلم، وأن يحشرنا في زمرته وتحت لوائه، إنه تبارك وتعالى سميع الدعاء، وهو أهل الرجاء، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

    الخطبة الثانية
    الحمد لله عظيم الإحسان، واسع الفضل والجود والامتنان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله أصحابه أجمعين، أما بعد:
    عباد الله؛ اتقوا الله تعالى، وراقبوه في السرِّ والعلانية مراقبة من يعلم أن ربه يسمعه ويراه، واعلموا رعاكم الله أن هذه الدنيا ميدان للآخرة ومزرعة تقدم غيها الأعمال وصالح الطاعات وسديد الأقوال، فالكيس من عباد الله من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.
    وصلوا وسلموا رعاكم الله على محمد بن عبد الله كما أمركم الله بذلك في كتابه فقال: ï´؟ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ï´¾، وقال صلى الله عليه وسلم: " من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشرا" وجاء عليه الصلاة والسلام الحث من الإكثار من الصلاة والسلام عليه في ليلة الجمعة وليلها، ولهذا قال الشافعي رحمه الله: إني أحب الصلاة والسلام على رسول الله في كل وقت وحين، وفي ليلة الجمعة ويومها أحب إلي.
    اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
    وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين، أبي بكر الصديق، وعمر الفارق، وعثمان ذي النورين، وأبي الحسنين علي، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واحم حوزة الدين يا رب العالمين، اللهم انصر من نصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم عليك بأعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك اللهم من شرورهم.
    اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم آت نفوسنا تقواها، زكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفة والغنى.
    اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دينانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر، اللهم أصلح ذات بيننا وألف بين قلوبنا واهدنا سبل السلام وأخرجنا من الظلمات إلى النور، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وأزواجنا وذرياتنا، وأموالنا، واجعلنا مباركين أينما كنا، اللهم اغفر لنا ذنبنا كله، دقه وجله، أوله وآخره، سره وعلنه، اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا وما أسررنا وما أعلنا، وما أنت أعلم به منا، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت.
    اللهم اغفر لنا ولوالدينا، وللمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، ربنا إنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم ارفع عنا الغلا والوبا والزلازل والمحن والفتن كلها ما ظهر منها ما بطن، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
    الشيخ / عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر



  5. #5

    • Online
    • Super Moderator



    تاريخ التسجيل
    Jul 2013
    المشاركات
    2,677
    شكراً
    59
    شكر 105 مرات في 92 مشاركات
    مقتضى شهادة أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ذكر صفاته الخلقية

    الخطبة الأولى:
    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:-
    عباد الله: اتقوا الله تعالى،
    يقول الله تعالى: ( قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون)، يأمر الله تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم في هذه الآية, أن يقول للأحمر والأبيض والأسود والعربي والعجمي،( إني رسول الله إليكم جميعاً وما ذاك إلا لشرفه وعظمته صلوات الله وسلامه عليه, وأنه خاتم النبيين وأنه مبعوث إلى الناس كافة. ولأن شهادة أن محمداً رسول الله, أصل من أصول الإيمان بل هي الأصل الأول مع شهادة ألا إله إلا الله.
    ومقتضيات هذه الشهادة سبعة:
    أولها: أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبدٌ لله, ليس له شيءٌ من خصائص الإلهية والربوبية كما قال تعالى: ( سبحان الذي أسرى بعبده )، وقال تعالى: ( تبارك الذي نزل الفرقان على عبده )، وقال تعالى: ( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا وقال تعالى: ( قل إنما أنا بشر مثلكم وقال صلى الله عليه وسلم: ( لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ).
    وكل هذه الأدلة تدل على أنه عبدٌ لله صلوات الله وسلامه عليه, فلا يجوز لنا أن نعطيه شيئاً من خصائص الرب, فلا يُدْعَى من دون الله, ولا يُستغاث به, ولا يُحلَف به, ولا يجوز الاعتقاد بأنه يعلم الغيب, أو ينفع أو يضر، ( قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا ).
    الثاني: أنه خاتم النبيين لا نبي بعده صلوات الله وسلامه عليه.
    قال تعالى: ( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لي خمسة أسماء أنا أحمد وأنا محمد وأنا الحاشر وأنا الماحي وأنا العاقب الذي لا يعقبه نبي )، وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم عن جبير بن مطعم رضي الله عنه . وقال صلى الله عليه وسلم : ( لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابون كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي ) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه.
    الثالث: تصديقه فيما أخبر.
    لأنه مبلغ عن ربه فيجب تصديقه ولذلك قال الله تعالى: ( وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى ). وقال صلى الله عليه وسلم: ( ألا أني أُوتيت الكتاب ومثله معه ) رواه أبو داود والترمذي .وقال حسان ابن عطية: كان جبرائيل ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسنة كما كان ينزل عليه بالقرآن.
    وهذا يدل على: أن السنة وحي كما أن القرآن وحي, إلا أن القرآن لفظه ومعناه من الله.
    وأما السنة فإن لفظها من الرسول صلى الله عليه وسلم ومعناها من الله عز وجل.
    الرابع: طاعته فيما أمر.
    فإن نصوص الكتاب والسنة تدل على أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم طاعة لله, قال تعالى: ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ).
    الخامس: اجتناب ما نهى عنه وزجر.
    لقوله تعالى : ( وما نهاكم عنه فانتهوا ).
    السادس: أن لا نعبد الله إلا بما شرع, لا بالأهواء والبدع.
    لأن الأصل في العبادات هو المنع, إلا إذا جاءت من طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم. لقوله عليه الصلاة والسلام : ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ).
    السابع: حبه صلى الله عليه وسلم.
    وحب النبي صلى الله عليه وسلم إيمان, بل أصل من أصول الإيمان, لكن هذه المحبة تأتي تابعة لمحبة الله وليست مساوية, لأن الشخص إذا ساوى مع الله أحداً في المحبة وأشرك معه غيره في هذه المحبة فقد كفر, لقوله تعالى عن المشركين بعد دخولهم النار: ( تالله إن كنا لفي ضلال مبين * إذ نسويكم برب العالمين )، وقال تعالى: ( ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حباً لله ) .
    ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم لا تكتمل حتى تكون أكثر من محبة النفس والأهل والمال والولد والناسأجمعين, لما رواه البخاري من حديث عمر رضي الله عنه أنه قال: والله يا رسول الله لأنت أحب إليّ من كل شيء إلا من نفسي . قال: حتى من نفسك يا عمر. قال: حتى من نفسي يا رسول الله . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( الآن يا عمر ). أي: الآن يَكْتَمِلُ الإيمان, عندما تُقَدِّمُ محبة الرسول صلى الله عليه وسلم على محبة النفس, وثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين).
    والمراد أنه: لا يؤمن الإيمان الكامل التام حتى توجد في قلبه هذه الخصلة العظيمة, وإلا فأصل المحبة لا بد أن يوجد في قلب العبد.
    ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من النفس, ليست مجرد دعوى تقال باللسان،


    وإنما لها علامات لابد من تحققها في العبد:-
    أولها: تقديم مراد النبي صلى الله عليه وسلم وأوامره على هوى النفس، وعلى مراد وأوامر أي أحد كائناً من كان.
    الثانية: دراسة السنة وتطبيقها.
    الثالثة: الحرص على نشر السنة وبيانها والدعوة إليها.
    ومن الدعوة إليها:-
    الدفاع عنها وعن صاحبها, ونصرته في الأحوال والمواطن التي تتطلب الدفاع والنصر، فإن ذلك من أوجب الواجبات, بل هو من الجهاد في سبيل الله.
    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول هذا القول واستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ إنه هو الغفور الرحيم.

    الخطبة الثانية:
    الحمد لله على إحسانه ؛ والشكر له على توفيقه وامتنانه ؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ؛ وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ؛ صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:-
    عباد الله:-
    يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي ).
    والمراد بالرؤية في الحديث:
    هي رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم بأوصافه المنقولة إلينا, وأما من رأى شخصاً على أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن على خلاف صفاته المعروفة, فإنه لم يره.
    وعلى هذا فينبغي للمسلم:-
    أن يعرف صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلقية المنقولة عن الصحابة رضي الله عنهم, وهي ثابتة في الصحيحين وغيرهما عن جماعة من الصحابة:
    أنه كان رِبْعَة من الرجال، أي متوسطاً: ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، وأنه أبيض مُشْرَبٌ بِحُمْرَة كالقمرمستديرا، وله شعر يضرب إلى شحمة أذنه, أو ما بين شحمة أذنه وعاتقه، وأنه عريض المنكبين، وكان ضليع الفم، أي: عظيم الفم، طويل المسربة، أي: أن شعر صدره دقيق وطويل إلى سُرَّته، وكان إذا مشى أسرع كأنما ينْحَطُّ مِن صَبَب، وكان كََثَّ اللحية, وتُوُفِّيَ وليس في شعر رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء.صلوات الله وسلامه عليه.
    نسأل الله أن يجعلنا من أتباعه ظاهراً وباطنا، ونسأله أن يحشرنا في زمرته،
    وأن يجعلنا ممن يَرِدُ حوضه فنشرب منه شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبدا.
    الشيخ / أحمد بن محمد العتيق




  6. #6

    • Online
    • Super Moderator



    تاريخ التسجيل
    Jul 2013
    المشاركات
    2,677
    شكراً
    59
    شكر 105 مرات في 92 مشاركات
    صلة الرحم
    الخطبة الاولى
    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونشكره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ سيدنا محمدًا عبده ورسوله، من بعثه الله رحمة للعالمين هاديًا ومبشرًا ونذيرًا، بلّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى كل رسول أرسله.
    أما بعد عباد الله، اتقوا الله تبارك وتعالى، القائل في محكم كتابه العزيز:" [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا]{النساء:1}.
    وقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:« وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ » رواه البخاري.
    وقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ» رواه مسلم.
    أيُّها المسلمونَ:
    إنَّ للرحمِ شأنًا عظيمًا وأهميةً كبيرةً، وحقوقًا كثيرةً، ويكفيها مكانةً وفضلاً أنَّ من وصل رحمه، وصله الله تعالى بلُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ وإِحْسَانِهِ وَنِعَمِهِ، ومن قطعها قطعه الله. قال تعالى: [فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ]{محمد: 22-23}.
    وقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ» يَعْنِي: قَاطِعَ رَحِمٍ. رواه البخاري ومسلم. ومعناه: لا يدخلها في أول الأمر مع السابقين بل بعد عقاب.
    عبادَ اللهِ:
    لا خلاف أن صلَةَ الرَّحِمِ وَاجِبَةٌ في الجملة، وقطيعتَها معصيةٌ كبيرة. والأَرْحامُ هُمُ الأَقاربُ مِنَ الإِخْوَةِ والأَخَواتِ، وَمَنْ يَرْتَبِطُونُ بالإنسانِ بِنَسَبٍ كالجدّاتِ والأجداد، والأَعمامِ والأَخْوالِ وأولادِهم، والعَمَّاتِ والخَالاتِ وأولادِهِنّ.
    وتكونُ الصلةُ بِالسَّلامِ والزَّيارِةِ والتفقدِ، وبذلِ المعونةِ والمعروفِ، وإسداءِ النُّصْحِ والمشورةِ، وطلاقةِ الوجهِ وطِيبِ الكلمةِ، والمشاركةِ فِي الأفراحِ والأحزانِ، والغضِّ عَنْ هفواتِهِم.
    قالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنِ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا» رواه البخاري.
    وقال عليه الصلاة والسلام: «الصَّدَقَةُ عَلَى المسكينِ صَدقةٌ وهي عَلَى ذِي الرَّحمِ ثِنْتَانِ صَدقَةٌ وصِلَةٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
    فمن وصلهم بماله وَوُدِّه وبشاشته وزيارته فهو واصل. ومن قطعهم بالجفاء والإهمال، وذلك بإيحاشِ قلوبِ أرحامه وتنفيرِها، إما بترك الإحسانِ بالمالِ في حالِ الحاجةِ النازلةِ بهم، أو تركِ الزيارة بلا عذر، فهو قاطع رحم.
    فما يحصل من بعض الأقارب، أن يَبْقَيَا في بَلَدٍ واحدٍ ثم لا يزورُ أحدهما الآخر في السَّنَةِ ولا في السَّنَتَينِ ولا في الثلاثِ سنواتٍ، معَ إمكانِه أن يزورَه، فهذه قطيعةُ رحِم.
    وأما إذا زارَ القريبُ قَرِيْبَه في أحَدِ العِيْدَيْنِ، وزارَه في الأفراحِ والأَحزانِ، لا يُعْتَبَرُ ذلك قطيعةً، هذا في حالِ لم يَكُنْ للشخصِ عُذْرٌ، أما إن كانَ له عذرٌ كأن كانَ في بلدٍ بعيدةٍ، ولا يسهُلُ عليه أن يذهبَ لزيارةِ أقربائِهِ، ولو غابَ خمسَ سِنينَ أو نحو ذلك، وهو يُرسِلُ لهم سلامًا مِن وَقْتٍ إلى وقت ما عليه شىء.
    وهذا كله إذا كان أهل الرحم أهل استقامة، أما إن كانوا فساقًا فيقاطعهم في اللّه، بشرط بذل الجهد في وعظهم، وإعلامهم بأن إصرارهم سبب مقاطعتهم، ويكتفي بالدعاء لهم بظهر الغيب بالاستقامة.
    إخوة الإيمان والإسلام:
    صلةُ الأرحامِ سببٌ كبيرٌ لتنَزُّلِ الرَّحمةِ مِنَ اللهِ سبحانَهُ علَى العبادِ، وسببٌ فِي سعة المال، وفي طول العمر بمشيئة الله تعالى، قَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ، فَإِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مَحَبَّةٌ فِى الأَهْلِ مَثْرَاةٌ فِى الْمَالِ مَنْسَأَةٌ فِى الأَثَرِ». يَعْنِى زِيَادَةً فِى الْعُمُرِ، رواه الترمذي.
    وقال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ».رواه مسلم.
    فكونوا عباد الله من الواصلين لأرحامكم، وحافظوا على صلتها، ولا تُلهِكُم الدنيا عن العمل الصالح، فعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه:«أرحامَكم أرحامَكم» رواه ابن حبان في صحيحه.
    وقال عليه الصلاة والسلام: « ليس شيءٌ أُطيعَ اللهُ تعالى فيه أعجلَ ثوابًا من صلةِ الرحم، وليس شيءٌ أعجلَ عقابًا من البغي وقطيعة الرحم» رواه البيهقي في السنن، بإسناد حسن.
    نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الواصلين لأرحامنا، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنَه.
    هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم
    موقع ميكائيل الاسلامي

    التعديل الأخير تم بواسطة cbechir ; 04-02-16 الساعة 02:10 PM

  7. #7

    • Online
    • Super Moderator



    تاريخ التسجيل
    Jul 2013
    المشاركات
    2,677
    شكراً
    59
    شكر 105 مرات في 92 مشاركات
    العفة وآثارها

    الخطبة الاولى

    أَمَّا بَعدُ، فَأُوصِيكُم - أَيُّهَا النَّاسُ - وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ – فـ(إِنَّ لِلمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِم جَنَّاتِ النَّعِيمِ) [القلم: 34].
    أَيُّهَا المُسلِمُونَ: نَستَأذِنُكُمُ اليَومَ لِنُوَجِّهَ الحَدِيثَ لِقُلُوبٍ تَمَلَّكَهَا الحُبُّ وَالهَوَى، وَاستَولى عَلَيهَا الوِدُّ وَالجَوَى، فَرَفرَفَت بِهِ أَجنِحَتُهَا، وَتَرَدَّدَ صَوتُهُ في جَوَانِحِهَا، إِنَّهَا قُلُوبٌ تُحِبُّ وَتُحَبُّ، وَقَد تَعشِقُ وَتُعشَقُ، فَتَهِيمُ وَتُتَيَّمُ، وَيَصعُبُ رَدُّهَا لِعَافِيَتِهَا، إِنَّهُم شَبَابٌ عُزَّابٌ، قُدِّرَ لهمُ العَيشُ في زَمَنٍ خَلَت فِيهِ الأَيدِي مِن ثَقِيلِ الأَعمَالِ وَشَاقِّ الأَشغَالِ، فَتَفَرَّغَتِ القُلُوبُ وَالعُقُولُ لِلتَّفكِيرِ فِيمَا تُحَصَّلُ بِهِ الشَّهَوَاتُ، وَالبَحثِ عَمَّا تُنَالُ بِهِ الأَوطَارُ وَالرَّغَبَاتُ، وَمَا لها لا تَفعَلُ وَقَدِ انفَتَحَت عَلَيهَا الأَبوَابُ، وَحَاصَرَتهَا جُيُوشُ الخَرَابِ، وَصَارَت تَرَى مَشَاهِدَ الرَّذِيلَةِ وَصُوَرَ العُهرِ في قَنَوَاتٍ وَجَوَّالاتٍ وَشَبَكَاتٍ، لا يَحُولُ بَينَهَا وَبَينَ ذَلِكَ حَائِلٌ، وَلا يَردَعُهَا عَنهُ رَادِعٌ. فَرُحمَاكَ اللَّهُمَّ رُحمَاكَ.
    أَيُّهَا الشَّبَابُ الحَالِمُونَ: إِنَّ الحَقِيقَةَ أَكبَرُ ممَّا بِهِ تَحلُمُونَ، وَالأَمرَ أَعظَمُ مِمَّا تَتَصَوَّرُونَ، وَالدُّنيَا بِشَهَوَاتِهَا وَملَذَّاتِهَا، لَيسَت هِيَ الغَايَةَ وَلا مُنتَهَى الآمَالِ، وَلَكِنَّهَا قَصِيرَةٌ حَقِيرَةٌ قَلِيلَةٌ، لا تُسَاوِي عِندَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، وَأَنتُم عَنهَا رَاحِلُونَ، وَإِلى رَبِّكُم رَاجِعُونَ، وَبِأَعمَالِكُم مَجزِيُّونَ، وَعَلَى مَا قَدَّمتُم مُحَاسَبُونَ، وَالمَصِيرُ إِمَّا إِلى جَنَّةِ المَأوَى وَإِمَّا إِلى نَارٍ تَلَظَّى (فَأَمَّا مَن طَغَى * وَآثَرَ الحَيَاةَ الدُّنيَا * فَإِنَّ الجَحِيمَ هِيَ المَأوَى * وَأَمَّا مَن خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفسَ عَنِ الهَوَى * فَإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَأوَى) [النازعات: 37- 39].
    أَيُّهَا الشَّبَابُ: مَهمَا تَلَفَّتَ أَصحَابُكُم يَمِينًا وَشِمَالاً، وَأَغرَتهُم فُتُوَّتُهُم أَو غَرَّهُم رَونَقُ الشَّبَابِ، فَتَمَرَّدُوا وَتَهَوَّرُوا، وَلَعِبُوا وَطَرِبُوا، فَإِنَّ صِفَةَ العَفَافِ هِيَ خَيرُ مَا اتَّصَفَ بِهِ الشَّابُّ المُسلِمُ في حَيَاتِهِ، لِيَفُوزَ بِرِضَا رَبِّهِ بَعدَ مَمَاتِهِ، وَمِنَ السَّبعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللهُ في ظِلِّهِ يَومَ لا ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ «شَابٌّ نَشَأَ في عِبَادَةِ اللهِ» وَ «رَجُلٌ دَعَتهُ امرَأَةٌ ذَاتُ مَنصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِني أَخَافُ اللهَ».
    العَفَافُ أَوِ العِفَّةُ - مَعشَرَ الشَّبَابِ - سِيمَا الأَنبِيَاءِ، وَحِليَةُ العُلَمَاءِ، وَتَاجُ العُبَّادِ وَالأَولِيَاءِ، العَفَافُ سُلطَانٌ مِن غَيرِ تَاجٍ، وَغِنىً مِن غَيرِ مَالٍ، وَقُوَّةٌ مِن غَيرِ بَطشٍ، العَفَافُ خُلُقٌ كَرِيمٌ وَوَصفٌ زَكِيٌّ، يَنبُتُ في رَوضِ الإِيمَانِ، وَيُسقَى بِمَاءِ الحَيَاءِ، جُذُورُهُ الإِيمَانُ وَالتَّقوَى، وَثَمَرَتُهُ نُورٌ في الوُجُوهِ، وَصَفَاءٌ لِلقُلُوبِ، وَانشِرَاحٌ في الصُّدُورِ، وَطُمَأنِينَةٌ لِلنُّفُوسِ، هُوَ عُنوَانُ الأُسَرِ الكَرِيمَةِ، وَرَمزُ المُجتَمَعَاتِ الطَّاهِرَةِ، إِنَّهُ سُمُوُّ النَّفسِ عَلَى الشَّهَوَاتِ الدَّنِيئَةِ، وَتَرَفُّعُ الهِمَّةِ عَمَّا لا يَلِيقُ، صَاحِبُهُ لَيسَ بِالهَلُوعِ وَلا بِالجَزُوعِ، وَلَكِنَّهُ مُؤمِنٌ شُجَاعٌ مُفلِحٌ، دَاخِلٌ فِيمَن وَصَفَهُمُ اللهُ فَقَالَ: (وَالَّذِينَ هُم لِفُرُوجِهِم حَافِظُونَ) [المؤمنون: 5] ثم وَعَدَهُم بِأَغلَى مَا يُنَالُ فَقَالَ: (أُولَئِكَ في جَنَّاتٍ مُكرَمُونَ) [المعارج: 35]، (أُولَئِكَ هُمُ الوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِردَوسَ هُم فِيهَا خَالِدُونَ) [المؤمنون: 10- 11].
    وَلَولا أَنَّهُم دَخَلُوا جَنَّةَ العَفَافِ في الدُّنيَا، وَأَكرَمُوا أَنفُسَهُم عَنِ الدَّنَايَا، لما أَكرَمَهُمُ اللهُ في الآخِرَةِ بِأَعلَى الدَّرَجَاتِ، وَلما وَهَبَهُم أَحسَنَ العَطَايَا، وَفي صَحِيحِ مُسلِمٍ لَمَّا ذَكَرَ النَّبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أَهلَ الجَنَّةِ قَالَ: «وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ» وَعِندَ البُخَارِيِّ وَغَيرِهِ: «مَن يَضمَنْ لي مَا بَينَ لَحيَيهِ وَمَا بَينَ رِجلَيهِ أَضمَنْ لَهُ الجَنَّةَ»، وَعِندَ الإِمَامِ أَحمَدَ وَغَيرِهِ: «اِضمَنُوا لي سِتًّا أَضمَنْ لَكُمُ الجَنَّةَ: اُصدُقُوا إِذَا حَدَّثتُم، وَأَوفُوا إِذَا وَعَدتُم، وَأدُّوا إِذَا ائتُمِنتُم، وَاحفَظُوا فُرُوجَكُم، وغُضُّوا أَبصَارَكُم، وكُفُّوا أَيدِيَكُم» حَسَّنَهُ الأَلبَانيُّ.
    أَيُّهَا الشَّبَابُ: إِنَّهُ وَإِنْ تَهَيَّأَت في زَمَانِنَا فُرَصٌ أَو تَيَسَّرَت أَسبَابٌ لِمُمَارَسَةِ الرَّذِيلَةِ، فَإِنَّهَا لَيسَت لَكُم وَحدَكُم، وَلم تَكُنْ وَلِيدَةَ هَذَا الزَّمَانِ فَحَسبُ، فَقَد تَهَيَّأَت لِغَيرِكُم ممَّن كَانَ قَبلَكُم، وَفُتِحَت الأَبوَابُ عَلَى مَصَارِيعِهَا لِبَعضِ سَلَفِكُم، فَتَرَكُوا مُوَاقَعَةَ الشَّهَوَاتِ للهِ؛ إِيمَانًا بِوَعدِهِ وَخَوفًا مِن وَعِيدِهِ، فَأَعلَى اللهُ ذِكرَهُم وَرَفَعَهُم دَرَجَاتٍ وَأَكرَمَهُم..
    أَلم تَقرَؤُوا مَوقِفَ الكَرِيمِ ابنِ الكَرِيمِ ابنِ الكَرِيمِ، يُوسُفُ بنُ يَعقُوبَ بنِ إِبرَاهِيمَ - عَلَيهِمُ السَّلامُ - ذَلِكُمُ النَّبيُّ الَّذِي أُوتي مِنَ الحُسنِ وَالجَمَالِ مَا يَزِنُ نِصفَ جَمَالِ العَالَمِينَ، وَحِينَ ابتُلِيَ بما ابتُلِيَ بِهِ وَهُوَ فَتىً قَد نَأَت بِهِ الدَّارُ وَفَارَقَ الأَهلَ وَالوَطَنَ، وَكَانَ عِندَ امرَأَةِ العَزِيزِ، فَرَاوَدَتهُ عَن نَفسِهِ (وَغَلَّقَتِ الأَبوَابَ وَقَالَت هَيتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحسَنَ مَثوَايَ إِنَّهُ لا يُفلِحُ الظَّالِمُونَ) [يوسف: 23] مَعَاذَ اللهِ، مَا أَعظَمَهَا مِن كَلِمَةٍ في مَوقِفٍ عَصِيبٍ، لم يَكُنْ ثَمَنُهَا أَنْ فَاتَتهُ شَهوَةٌ فَحَسبُ، وَلَكِنَّ ثَمَنَهَا كَانَ غَالِيًا: وَعِيدٌ وَتَهدِيدٌ، وَسَجنٌ وَتَقيِيدٌ، وَلَكِنَّ العَاقِبَةَ لِلمُتَّقِينَ؛ إِذْ تَجَاوَزَ - عَلَيهِ السَّلامُ - المِحنَةَ، ثم آتَاهُ اللهُ المُلكَ وَعَلَّمَهُ مِن تَأوِيلِ الأَحَادِيثِ، وَجَعَلَهُ مِن عِبَادِهِ المُخلَصِينَ، في قِصَّةٍ عَظِيمَةٍ لِفَتىً كَرِيمٍ تَرَكَ شَهوَتَهُ خَوفًا مِن رَبِّهِ وَاتِّقَاءً لِغَضَبِهِ، فَكَانَتِ العَاقِبَةُ أَن أَغنَاهُ اللهُ وَأَنَارَ قَلبَهُ وَأَضَاءَ بَصِيرَتَهُ، وَعَوَّضَهُ العِلمَ وَالفِرَاسَةَ وَالتَّوفِيقَ.
    وَمَا يَزَالُ الفَضلُ مِنَ اللهِ - سُبحَانَهُ - عَلَى أَهلِ العَفَافِ مُستَمِرًّا (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُم خَيرُ البَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُم عِندَ رَبِّهِم جَنَّاتُ عَدنٍ تَجرِي مِن تَحتِهَا الأَنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللهُ عَنهُم وَرَضُوا عَنهُ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ) [البينة: 7- 8]، نَعَم (ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ) وَقَالَ - سُبحَانَهُ -: (وَلِمَن خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) [الرحمن: 46] نَعَم (جَنَّتَانِ) وَفي هَاتَينِ الجَنَّتَينِ (قَاصِرَاتُ الطَّرفِ) [الرحمن: 56] ممَّن (كَأَنَّهُنَّ اليَاقُوتُ وَالمَرجَانُ) [الرحمن: 58] وَفِيهِنَّ (خَيرَاتٌ حِسَانٌ) [الرحمن: 70] وُصِفنَ بِأَنَّهُنَّ (حُورٌ مَقصُورَاتٌ في الخِيَامِ) [الرحمن: 72] (لم يَطمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبلَهُم وَلا جَانٌّ) [الرحمن: 74] هَذَا جَزَاءُ اللهِ لأَهلِ الإِيمَانِ، عَفُّوا في الدُّنيَا عَنِ النِّسَاءِ الفَاتِنَاتِ وَالغَانِيَاتِ، فَجُزُوا في الآخِرَةِ بِنِسَاءٍ عَفِيفَاتٍ طَاهِرَاتٍ مُطَهَّرَاتٍ جَمِيلاتٍ، وَهَل جَزَاءُ الإِحسَانِ إِلاَّ الإِحسَانُ؟!
    أَيُّهَا الشَّبَابُ: أَلم تَقرَؤُوا في صِفَاتِ عِبَادِ الرَّحمَنِ قَولَ الرَّحمَنِ - تَبَارَكَ وَتَعَالى -: (وَالَّذِينَ لا يَدعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقتُلُونَ النَّفسَ الَّتي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَلا يَزنُونَ وَمَن يَفعَلْ ذَلِكَ يَلقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ العَذَابُ يَومَ القِيَامَةِ وَيَخلُدْ فِيهِ مُهَانًا) [الفرقان: 68- 69] إِنْ لم تَكُونُوا قَرَأتُم هَذِهِ الآيَةَ أَو كَانَ عَهدُكُم بها بَعِيدًا فَاسمَعُوهَا مَرَّةً أُخرَى وَعُوهَا، يَقُولُ رَبُّكُم - سُبحَانَهُ -: (وَالَّذِينَ لا يَدعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقتُلُونَ النَّفسَ الَّتي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَلا يَزنُونَ وَمَن يَفعَلْ ذَلِكَ يَلقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ العَذَابُ يَومَ القِيَامَةِ وَيَخلُدْ فِيهِ مُهَانًا) هَل تَأَمَّلتُم وَتَدَبَّرتُم؟!
    لَقَد قَرَنَ الرَّحمَنُ بَينَ الشِّركِ وَقَتلِ النَّفسِ وَالزِّنَا، فَنَفَاهَا جَمِيعًا عَن عِبَادِهِ، ثم بَيَّنَ جَزَاءَ مَن فَعَلَهَا، حَيثُ يُضَاعَفُ لَهُ العَذَابُ وَيَخلُدُ في المَهَانَةِ وَالذِّلَّةِ وَالحَقَارَةِ، وَقَد بَيَّنَ الرَّحِيمُ - عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ - طَرَفًا مِن ذَلِكَ العَذَابِ المُهِينِ لِمَن هَتَكَ سِترَ العَفَافِ وَوَقَعَ في الزِّنَا، فَعَن سَمُرَةَ بنِ جُندُبٍ - رَضِيَ اللهُ عَنهُ - عَنِ النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِنَّهُ أَتَاني اللَّيلَةَ آتِيَانِ، وَإِنَّهُمَا ابتَعَثَاني، وَإِنَّهُمَا قَالاَ لي انطَلِقْ، وَإِنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا...» فَذَكَرَ الحَدِيثَ إِلى أَن قَالَ: «فَانطَلَقنَا فَأَتَينَا عَلَى مِثلِ التَّنُّورِ» قَالَ: فَأَحسَبُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «فَإِذَا فِيهِ لَغَطٌ وَأَصوَاتٌ» قَالَ: «فَاطَّلَعنَا فِيهِ فَإِذَا فِيهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ وَإِذَا هُم يَأتِيهِم لَهَبٌ مِن أَسفَلَ مِنهُم، فَإِذَا أَتَاهُم ذَلِكَ اللَّهَبُ ضَوضَوا» الحَدِيثَ... وَفي آخِرِهِ قَالَ: «وَأَمَّا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ العُرَاةُ الَّذِينَ في مِثلِ بِنَاءِ التَّنُّورِ، فَإِنَّهُمُ الزُّنَاةُ وَالزَّوَاني» رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
    فَتَبًّا لِمَن لم يَصبِرْ وَيَتَعَفَّفْ ! وَيَا لَخَسَارَةِ مَن لم يَضبِطْ نَفسَهُ وَيَلزَمِ الحُدُودَ الَّتي شَرَعَها اللهُ لَهُ، مُتَذَرِّعًا بِغَلَبَةِ الشَّهوَةِ، أَو مُنسَاقًا وَرَاءَ اللَّذَّةِ، أَو مُتَأَثِّرًا بِعَالَمِ الانفِتَاحِ عَلَى الرَّذِيلَةِ وَالتَّحلُّلِ مِنَ الفَضِيلَةِ !!
    أَلا فَاتَّقُوا اللهَ - مَعَشرَ الشَّبَابِ - وَاحذَرُوا مَا يُحَارَبُ بِهِ جَانِبُ العَفَافِ وَالفَضِيلَةِ، أَو مَا يُحَاوَلُ أَن يُكسَرَ بِهِ حَاجِزُ الحَيَاءِ، وَتُنبَذَ بِهِ الحِشمَةُ، مِن دَعَوَاتِ السُّفُورِ وَالاختِلاطِ في المَدَارِسِ وَالجَامِعَاتِ، أَو تَسهِيلِ لِقَاءِ الجِنسَينِ في الأَعمَالِ وَالأَسوَاقِ وَالمُؤَتَمَرَاتِ، أَوِ المَجَالِسِ الثَّقَافِيَّةِ المَزعُومَةِ وَالمُنَتَدَيَاتِ، أَو مُشَارَكَةِ النِّسَاءِ في الأَلعَابِ وَالمُسَابَقَاتِ، أَو مَا يُتَنَاقَلُ مِن مَقَاطِعِ العُرِيِّ الفَاضِحَةِ وَمَشَاهِدِ الرَّذِيلَةِ في الجَوَّالاتِ وَالشَّبَكَاتِ.
    فَإِنَّ الحَيَاةَ الطَّاهِرَةَ تَحتَاجُ إِلى عَزَائِمِ الأَخيَارِ، وَأَمَّا عِيشَةُ الرَّذِيلَةِ فَطَرِيقُهَا التَّسَاهُلُ وَالانحِدَارُ، وَإِنَّهُ لَو لم يَكُنْ ذَلِكُمُ العَذَابُ المُضَاعَفُ هُوَ جَزَاءَ مَن خَرَجُوا مِن حِصنِ العَفَافِ وَتَجَاوَزُوا سِيَاجَ الفَضِيلَةِ، لَكَانَتِ الأَمرَاضُ الوَبَائِيَّةُ الفَتَّاكَةُ الَّتي يُبلَى بها الزُّنَاةُ كَافِيةً لِرَدعِ نُفُوسِ العُقَلاءِ عَنِ الانسِيَاقِ وَرَاءَ الشَّهَوَاتِ النَّتِنَةِ، وَمَنعِهِم مِن خَوضِ مُستَنقَعِ اللَّذَّاتِ الآسِنَةِ.
    فَاتَّقُوا اللهَ وَاحذَرُوا (وَلا تَقرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً) [الإسراء: 32].

    الخطبة الثانية:

    أَمَّا بَعدُ، فَيَا مَعشَرَ الشَّبَابِ اتَّقُوا اللهَ، وَاعلَمُوا أَنَّ مِن أَعظَمِ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ إِقَامَةَ المُجتَمَعِ الطَّاهِرِ النَّظِيفِ، المَحُوطِ بِالخُلُقِ الرَّفِيعِ، وَالمُبَطَّنِ بِالعِفَّةِ وَالحِشمَةِ، إِنَّهُ المُجتَمَعُ الَّذِي تُحفَظُ فِيهِ الفُرُوجُ، وَلا تُطلَقُ فِيهِ الأَبصَارُ، ولا يُسمَحُ فِيهِ بِالاختِلاطِ، وَلا يُلقَى فِيهِ الحِجَابُ، قَالَ - سُبحَانَهُ -: (وَإِذَا سَأَلتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُم أَطهَرُ لِقُلُوبِكُم وَقُلُوبِهِنَّ) [الأحزاب: 53].
    وَقَالَ - سُبحَانَهُ -: (قُلْ لِلمُؤمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أَبصَارِهِم وَيَحفَظُوا فُرُوجَهُم ذَلِكَ أَزكَى لَهُم إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بما يَصنَعُونَ * وَقُلْ لِلمُؤمِنَاتِ يَغضُضْنَ مِن أَبصَارِهِنَّ وَيَحفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) [النور: 30- 31].
    أَيُّهَا الشَّبَابُ: إِنَّ الَّذِي خَلَقَ الإِنسَانَ وَطَبَعَهُ عَلَى هَذِهِ الغَرِيزَةِ الجِنسِيَّةِ، وَجَعَلَهَا تَجرِي في الدَّمِ وَيَتَحَرَّكُ بها القَلبُ، لم يَخلُقْهَا لِيَكُونَ ذَلِكُمُ الإِنسَانُ كَالبَهِيمَةِ العَجمَاءِ، مَشغُولاً بِقَضَاءِ وَطَرِهِ وَإِطفَاءِ لَهِيبِ شَهوَتِهِ وَإِشبَاعِ غَرِيزَتِهِ فَحَسبُ، أَو لِتَكُونَ هِي هَمَّهُ الَّذِي عَلَيهِ يُمسِي وَيُصبِحُ، أَو غَايَتَهُ الَّتي مِن أَجلِهَا يَعدُو وَيَلهَثُ، أَو هَدَفَهُ الِّذِي إِلَيهِ يَسعَى وَفِيهِ يُفَكِّرُ، وَعَنهُ يَكتُبُ وَيَتَحَدَّثُ، لا وَاللهِ، وَإِنَّمَا خَلَقَهَا - تَعَالى - بِأَمرِهِ وَعِلمِهِ وَحِكمَتِهِ، اِبتِلاءً لِخَلقِهِ، وَلِيَبقَى الجِنسُ البَشَرِيُّ يَعمُرُ الأَرضَ وَيُقِيمُ عِبَادَةَ رَبِّهِ.
    وَلأَنَّ الإِسلامَ هُوَ دِينُ الوَسَطِ البَعِيدُ عَنِ الغُلُوِّ وَالشَّطَطِ، فَإِنَّهُ لم يَتَجَاهَلْ هَذِهِ الغَرِيزَةَ وَيَأمُرِ النَّاسَ بِالرَّهبَانِيَّةِ وَالانقِطَاعِ التَّامِّ عَن تَحصِيلِ شَهَوَاتِهِم وَنَيلِ لَذَّاتِهِم، وَلم يَفتَحِ البَابَ فِيهَا عَلَى مِصرَاعَيهِ لِتَكُونَ حَيَاةُ النَّاسِ إِبَاحِيَّةً مَرِيجَةً، يَتَهَارَجُونَ فِيهَا تَهَارُجَ الحُمُرِ في الخَلاءِ، وَإِنَّمَا جَعَلَ لِذَلِكَ شَاطِئًا آمِنًا، بَعِيدًا عَن أَموَاجِ الشَّهَوَاتِ العَارِمَةِ وَأَعَاصِيرِ الرَّغَبَاتِ الجَامِحَةِ، إِنَّهُ الزَّوَاجُ، شَاطِئُ الأَمَانِ لِحَيَاةِ العَفَافِ، تِلكَ الحَيَاةُ الطَّاهِرَةُ النَّقِيَّةُ، الَّتي يَعِيشُهَا المُسلِمُ صَابِرًا مُحتَسِبًا، غَاضًّا بَصرَهُ حَافِظًا لِفَرجِهِ، حَتى يَأوِيَ إِلى ذَلِكَ الشَّاطِئِ النَّظِيفِ فَيَنقَى وَيَغنى، قَالَ - جَلَّ وَعَلا -: (وَلْيَستَعفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغنِيَهُم اللهُ مِن فَضلِهِ) [النور: 33].
    وَفي الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيهِ، قَالَ - عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ -: «يَا مَعشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ استَطَاعَ مِنكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلبَصَرِ وَأَحصَنُ لِلفَرجِ، وَمَن لم يَستَطِعْ فَعَلَيهِ بِالصَّومِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ».
    نَعَم - مَعشَرَ الشَّبَابِ - لَيسَت مُهِمَّةُ الشَّابِّ المُسلِمِ أَن يَبحَثَ عَنِ الشَّهوَةِ بِكُلِّ طَرِيقٍ وَيَسلُكَ لها كُلَّ سَبِيلٍ، لا وَاللهِ، وَإِنَّمَا وَاجِبُهُ العَفَافُ وَحِفظُ نَفسِهِ، وَلْيُبشِرْ بَعدَ ذَلِكَ بِالخَيرِ، قَالَ - عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ - «وَمَن يَستَعفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ». وَقَالَ: «اِحفَظِ اللهَ يَحفَظْكَ».
    نَعَم، مَنِ استَغَفَّ أَعَفَّهُ اللهُ، وَمَن حَفِظَ اللهَ في أَعرَاضِ المُسلِمِينَ حَفِظَ اللهُ عِرضَهُ، ذَلِكُم أَنَّ الجَزَاءَ مِن جِنسِ العَمَلِ، وَاللهُ - تَعَالى - يَغَارُ عَلَى مَحَارِمِهِ، وَمَن جَعَلَ مَحَارِمَ النَّاسِ هَدَفًا لِنَزَوَاتِهِ وَمَرتَعًا لِشَهَوَاتِهِ، فَلا يَأمَنَنَّ بَعدُ عَلَى أُمِّهِ أَوِ ابنَتِهِ أَو أُختِهِ أَن يَعتَدِيَ أَحَدٌ عَلَى عِرضِ أَيِّهِنَّ، فَاحفَظُوا فُرُوجَكُم، وَعُفُّوا تَعُفَّ نِسَاؤُكُم. وَاتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي (يَعلَمُ خَائِنَةَ الأَعيُنِ وَمَا تُخفِي الصُّدُورُ) [غافر: 19].

    اللَّهُمَّ إِنَّا نَسأَلُكَ الهُدَى وَالتُّقَى وَالعَفَافَ وَالغِنى
    موقع العتيبي


    التعديل الأخير تم بواسطة cbechir ; 06-02-16 الساعة 04:05 PM

  8. #8

    • Online
    • Super Moderator



    تاريخ التسجيل
    Jul 2013
    المشاركات
    2,677
    شكراً
    59
    شكر 105 مرات في 92 مشاركات
    تصحيح افكار الشباب
    الخطبة الاولى
    إنَّ الْحَمْدَ لله نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِيْنُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوْذُ باللهِ مِنْ شُرُوْرِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا
    هَادِيَ لَهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ.
    (يَاأَيُّهاَ الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)
    (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَآءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَاْلأَرْحَامَ إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)
    (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) .. أما بعد:
    عندما خرجَ الخوارجُ على عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضيَ اللهُ عنه، وساروا من الكوفةِ إلى نَهرِ جُوخَا .. قالَ ابنُ كثيرٍ رحمَه اللهُ تعالى في كتابِه البدايةِ والنِّهايةِ في أحداثِ سنةِ سبعٍ وثلاثينَ للهجرةِ:
    (فَكَتَبُوا كِتَابًا عَامًّا إِلَى مَنْ هُوَ عَلَى مَذْهَبِهِمْ وَمَسْلَكِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَغَيْرِهَا، وَبَعَثُوا بِهِ إِلَيْهِمْ لِيُوَافُوهُمْ إِلَى النَّهْرِ، لِيَكُونُوا يَدًا وَاحِدَةً عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ خَرَجُوا يَتَسَلَّلُونَ وُحْدَانَا، لِئَلَّا يَعْلَمَ أَحَدٌ بِهِمْ فَيَمْنَعُوهُمْ مِنَ الْخُرُوجِ فَخَرَجُوا مِنْ بَيْنِ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَالْأَعْمَامِ وَالْعَمَّاتِ وَفَارَقُوا سَائِرَ الْقِرَابَاتِ، يَعْتَقِدُونَ بِجَهْلِهِمْ وَقِلَّةِ عِلْمِهِمْ وَعَقْلِهِمْ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ يُرْضِي رَبَّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ وَالذُّنُوبِ الْمُوبِقَاتِ، وَالْعَظَائِمِ وَالْخَطِيئَاتِ، وَأَنَّهُ مِمَّا يُزَيِّنُهُ لَهُمْ إِبْلِيسُ وَأَنْفُسُهُمُ الَّتِي هِيَ بِالسُّوءِ أَمَّارَاتٌ .. وَقَدْ تَدَارَكَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ بَعْضَ أَوْلَادِهِمْ وَقَرَابَاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ فَرَدُّوهُمْ وَوَبَّخُوهُمْ، فَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَمَرَّ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَحِقَ بِالْخَوَارِجِ فَخَسِرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَذَهَبَ الْبَاقُونَ إِلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَوَافَى إِلَيْهِمْ مَنْ كَاتَبُوهُ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَغَيْرِهَا، وَاجْتَمَعَ الْجَمِيعُ بِالنَّهْرَوَانِ، وَصَارَتْ لَهُمْ شَوْكَةٌ وَمَنَعَةٌ، وَهُمْ جُنْدٌ مُسْتَقِلُّونَ وَفِيهِمْ شَجَاعَةٌ وَثَبَاتٌ وَصَبْرٌ، وَعِنْدَهُمْ أَنَّهُمْ مُتَقَرِّبُونَ بِذَلِكَ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ).
    سبحانَ اللهِ .. لم يكنْ في ذلكَ الزَّمانِ شبكةٌ عنكبوتيَّةٌ تبثُّ الأفكارَ المُتطرِّفةَ .. ولا صفحاتٌ للتَّواصلِ الاجتماعيِّ تُثيرُ الشُّبُهاتِ المُنحرِفةَ .. ولا مواقعُ تبثُ مقاطعَ التَّصويرِ المُحتَرفةَ .. ولا قنواتٌ فضائيِّةٍ تُلبسُ البَّاطلَ الثِّيابَ المُزخرفةَ.
    كانَ الحاكمُ هو أميرُ المؤمنينَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ رضيَ اللهُ عنه .. رجلٌ من أهلِ الجنَّةِ يحبُّه اللهُ ورسولُه .. كما شَهدَ له بذلكَ النَّبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ .. وكانَ العلماءُ هم كبارُ الصَّحابةُ رضيَ اللهُ عنهم .. وكانَ المجتمعُ هو مجتمعُ الإيمانِ .. وكانَ القرنُ هو خيرُ القُرونِ كما قالَ صلى اللهُ عليه وسلمَ.
    ومعَ ذلكَ خرجَ الشَّبابُ مُتسلِّلينَ إلى الخوارجِ يُهرعونَ .. وانضموا تحتَ لواءِ الإجرامِ ابتغاءَ وجهِ اللهِ يزعمونَ .. يُقاتلونَ أميرَ المؤمنينَ رضيَ اللهُ عنه وأهلَ الإيمانِ .. فإنَّا للهِ وإنَّا إليه رَاجعونَ واللهُ المُستعانُ.
    وبعدَ أن ذكرَ ابنُ كثيرٍ عزمَ أميرِ المؤمنينَ رضيَ اللهُ عنه والنَّاسِ جميعاً على قتالِهم .. قالَ
    (فَاجْتَمَعَ الرَّأْيُ عَلَى هَذَا وَفِيهِ خِيَرَةٌ عَظِيمَةٌ لَهُمْ وَلِأَهْلِ الشَّامِ أَيْضًا، إِذْ لَوْ قَوُوا هَؤُلَاءِ لَأَفْسَدُوا الْأَرْضَ كُلَّهَا عِرَاقًا وَشَامًا، وَلَمْ يَتْرُكُوا طِفْلًا وَلَا طِفْلَةَ وَلَا رَجُلًا وَلَا امْرَأَةً، لِأَنَّ النَّاسَ عِنْدَهُمْ قَدْ فَسَدُوا فَسَادًا لَا يُصْلِحُهُمْ إِلَّا الْقَتْلُ جُمْلَةً).
    فلا إلهَ إلا اللهُ .. التَّاريخُ يعودُ .. والأحداثُ تتشابَهُ .. والمناظرَ تتكرَّرُ .. والأفكارَ تتوافقُ .. وصدقَ أميرُ المؤمنينَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ رضيَ اللهُ عنه .. فَعَنْ حَبَّةَ الْعُرَنِيِّ قَالَ: فلَمَّا قَتَلَ عَلِيٌّ أَهْلَ النَّهْرَوَانِ، جَعَلَ النَّاسُ يَقُولُونَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِي قَطَعَ دَابِرَهُمْ، فَقَالَ عَلِيٌّ: كَلَّا وَاللَّهِ، إِنَّهُمْ لَفِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَأَرْحَامِ النِّسَاءِ.
    عبادَ اللهِ ..
    إنَّه السَّرطانُ الفِكريُّ .. الذي يفتِكُ بالعُقولِ .. وتضطربُ معه الأصولُ .. ويقودُ صاحبَه إلى المجهولِ.
    فمن المرضى من يكونُ في مرحلةٍ مُتَقدِّمةٍ .. لا ينفعُ معه جلساتُ العِلاجِ الفكريِّ .. ولو أظهرَ شيئاً من القَبولِ والإذعانِ وكأنَّه آسفٌ .. فبمجردْ أن يخرجَ من برنامجِ المُناصحةِ يلبسُ الحِزامَ النَّاسفَ.
    ومنهم من ينفعُ معه العلاجُ .. وهو مواجهةُ الفِكرِ بالفِكرِ .. والمجادلةُ بعلمٍ وحكمةٍ .. وكشفُ الباطلِ والشُّبهاتِ .. وإظهارُ الحقِّ بالأدلةِ الواضحاتِ .. فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: (لَمَّا اعْتَزَلَتْ حَرُورَاءَ، قُلْتُ لِعَلِيٍّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَبْرِدْ عَنِ الصَّلاةِ لَعَلِّي آتِي هَؤُلاءِ الْقَوْمَ، فَأُكَلِّمَهُمْ، قَالَ: فَإِنِّي أَتَخَوَّفُهُمْ عَلَيْكَ، قَالَ: قُلْتُ: كَلا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: فَلَبِسْتُ أَحْسَنَ مَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْيَمَانِيَّةِ، ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَيْهِمْ وَهُمْ قَائِلُونَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، فَدَخَلْتُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ أَرَ قَوْمًا قَطُّ أَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنْهُمْ، أَيْدِيهِمْ كَأَنَّهَا ثَفِنُ الإِبِلِ، وَوُجُوهُهُمْ مُعَلَّبَةٌ مِنْ آثَارِ السُّجُودِ –أَيْ أَيْدِيهِمْ وَوُجُوهُهُمْ غَلِيظَةٌ-، قَالَ: فَدَخَلْتُ، فَقَالُوا: مَرْحَبًا بِكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، مَا جَاءَ بِكَ؟، قَالَ: جِئْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نَزَلَ الْوَحْيُ وَهُمْ أَعْلَمُ بِتَأْوِيلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا تُحَدِّثُوهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنُحَدِّثَنَّهُ، قَالَ: قُلْتُ: أَخْبِرُونِي مَا تَنْقِمُونَ عَلَى ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَخَتَنِهِ، وَأَوَّلِ مَنْ آمَنَ بِهِ، وَأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُ؟.
    قَالُوا: نَنْقِمُ عَلَيْهِ ثَلاثًا، قُلْتُ: مَا هُنَّ؟ قَالُوا: أَوَّلُهُنَّ أَنَّهُ حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ: (إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ).
    قَالَ: قُلْتُ: وَمَاذَا؟ قَالُوا: وَقَاتَلَ وَلَمْ يَسْبِ وَلَمْ يَغْنَمْ، لَئِنْ كَانُوا كُفَّارًا لَقَدْ حَلَّتْ لَهُ أَمْوَالُهُمْ، وَلَئِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ لَقَدْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ دِمَاؤُهُمْ.
    قَالَ: قُلْتُ: وَمَاذَا؟ قَالُوا: وَمَحَا نَفْسَهُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَهُوَ أَمِيرُ الْكَافِرِينَ.
    قَالَ: قُلْتُ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَرَأْتُ عَلَيْكُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ الْمُحْكَمِ، وَحَدَّثْتُكُمْ مِنْ سُنَّةِ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لا تُنْكِرُونَ، أَتَرْجِعُونَ؟ قَالُوا: نَعَمْ.
    قَالَ: قُلْتُ: أَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّهُ حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي دِينِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ .. إِلَى قَوْلِهِ .. يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ)، وَقَالَ فِي الْمَرْأَةِ وَزَوْجِهَا: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنَهُمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا)، أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ أَحُكْمُ الرِّجَالِ فِي حَقْنِ دِمَائِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَصَلاحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ أَحَقُّ، أَمْ فِي أَرْنَبٍ ثَمَنُهَا رُبْعُ دِرْهَمٍ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ فِي حَقْنِ دِمَائِهِمْ وَصَلاحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ، قَالَ: خَرَجْتُ مِنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
    وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّهُ قَاتَلَ وَلَمْ يَسْبِ وَلَمْ يَغْنَمْ، أَتَسْبُونَ أُمَّكُمْ، أَمْ تَسْتَحِلُّونَ مِنْهَا مَا تَسْتَحِلُّونَ مِنْ غَيْرِهَا؟، فَقَدْ كَفَرْتُمْ، وَإِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِأُمِّكُمْ فَقَدْ كَفَرْتُمْ وَخَرَجْتُمْ مِنَ الإِسْلامِ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ)، فَأَنْتُمْ تَتَرَدَّدُونَ بَيْنَ ضَلالَتَيْنِ، فَاخْتَارُوا أَيَّهُمَا شِئْتُمْ؟ أَخَرَجْتُ مِنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
    قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّهُ مَحَا نَفْسَهُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا قُرَيْشًا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى أَنْ يَكْتُبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ كِتَابًا، فَقَالَ: اكْتُبْ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا صَدَدْنَاكَ عَنِ الْبَيْتِ، وَلا قَاتَلْنَاكَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ: مُحَمَّدُ بن عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لِرَسُولُ اللَّهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي، اكْتُبْ يَا عَلِيُّ: مُحَمَّدَ بن عَبْدِ اللَّهِ، فَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ عَلِيٍّ، أَخَرَجْتُ مِنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
    فَرَجَعَ مِنْهُمْ عِشْرُونَ أَلْفًا، وَبَقِيَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ آلافٍ، فَقُتِلُوا.
    هكذا يكونُ الإقناعُ والحِوارُ .. بالرُّجوعِ إلى كتابِ اللهِ وسنَّةِ النَّبيِّ المُختارِ .. من عالمٍ حكيمٍ على الدِّينِ وأهلِه يغارُ .. وليسَ في الشَّتمِ والعَداءِ، أو السُّخريَّةِ والاستهزاءِ، ولا في تمثيليَّاتٍ هابطةٍ، وشخصيَّاتٍ ساقطةٍ، لا يعلمونَ أينَ مواقعُ الخللِ، فيريدونَ الإصلاحَ فيقعونَ في الزَّللِ، ويُشوِّهونَ صورةَ شعائرِ الإسلامِ، وهم يحسبونَ أنهم يُحسنونَ صُنعاً.
    اللهمَّ اجعلْ القرآنَ ربيعَ قلوبِنا وشفاءَ صدورِنا، ونورَ أبصارِنا وجلاءَ أحزانِنا، وذهابَ همومِنا وغمومِنا .. نستغفرُك ربَّنا إنك كُنتَ غفَّاراً .. فاغفر لنا وللمسلمينَ والمسلماتِ إنَّك أنتَ الغفورُ الرَّحيمُ.
    الخطبة الثانية:

    الحمدُ للهِ الذي خلَّصَ قلوبَ عبادِه المتقينَ من ظُلْمِ الشَّهواتِ، وأخلصَ عقولَهم عن ظُلَمِ الشُّبهاتِ .. وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ فاطرُ الأرضينَ والسَّماواتِ، شهادةً تقودُ قائلَها إلى الجنَّاتِ، وأشهدُ أنَّ سيِّدَنا محمداً عبدُه ورسولُه، وحبيبُه وخليلُه، والمبعوثُ إلى كافةِ البريَّاتِ، بالآياتِ المُعجِزاتِ .. صلى اللهُ عليه، وعلى آلِه الأئمَّةِ الهُداةِ، وأصحابِه الفُضلاءِ الثِّقاتِ، وعلى أتباعِهم بإحسانٍ، وسلمَ تسليماً كثيراً ..
    أما بعد:
    أيُّها الأباءُ .. أيُّها المُربُّونَ .. أيُّها المعلمونَ .. أيُّها الأئمةُ ..
    إنَّ أفضلَ ما يُواجهُ به هذا المرضُ الخطيرُ بعدَ هدايةِ اللهِ عزَّ وجلَّ .. هو الوِقايةُ الفِكريَّةُ .. فعليكم بتطعيمِ المَعرفةِ الصَّحيحةِ .. ولِقاحِ الحِوارِ النَّافعِ .. ومَصلِ كَشفِ الشُّبهاتِ .. استخدموا سهولةَ الشَّرحِ .. وشفافيةَ الطَّرحِ .. وإيَّاكم والمُصطلحاتِ الغامضةَ .. والكلماتِ المُبهمةِ .. والتي لا تدرِكُها عقولُهم .. وقد يسيءُ فِهمَها الشَّبابُ.
    أخبروهم بسنَّةِ اللهِ تعالى في الكونِ، وأن النَّاسَ بينَ هدايةٍ وضلالٍ: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ)، بل إنَّ أهلَ الضَّلالِ أكثرُ: (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ)، وأهلَ الهدايةِ أقلُ: (وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ‌)، وأن الزَّمنَ يتغيَّرُ (وَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اختِلافاً كَثيراً)، وَأنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْهُمْ زَمَانٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ حَتَّى يَلْقَوْا رَبَّهُمْ قَالَهُ نَبِيِّهُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ..
    ولا يجوزُ للمسلمِ أن يتشائمَ أو ييأسَ، قالَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: (إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ).
    علِّموهم .. أن المطلوبَ من المؤمنِ في الدُّنيا هو الإيمانُ والعملُ الصَّالحُ ودعوةُ النَّاسِ إلى الحقِّ والصبرُ على هذه الأمورِ .. (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ).
    بيِّنوا لهم أن تكفيرَ من ظهرَ إسلامُه .. ليسَ بالأمرِ الهيِّنِ .. فقد جاءَ في الحديثِ: (أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ) .. ذكِّروهم بحُرمةِ الدِّماءِ وبقولِه تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً) .. (وإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ) .. بل قالَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: (لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ وَأَهْلَ الْأَرْضِ اشْتَرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ لَأَكَبَّهُمْ اللَّهُ فِي النَّارِ) .. وأنَّ (زَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ) .. وأنَّ (مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا) .. و(لا يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا).
    اذكروا لهم حقَّ ولاةِ الأمرِ وأئمةِ المُسلمينَ .. وقولَ اللهِ تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ) .. فيما أحببتَ وكَرِهتَ .. كما قَالَ النَّبيُّ صلى اللهُ عليه وسلمَ: (عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلاَ سَمْعَ وَلاَ طَاعَةَ) .. وأنَّ (مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فلْيَصْبِرْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً) .. وأنَّه (سَتَكونُ أُثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ: تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكمْ وَتَسْأَلُونَ اللهَ الَّذِي لَكمْ) .. قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلاَ نُقَاتِلُهُمْ، قَالَ: (لاَ .. مَا صَلَّوْا).
    وضِّحوا لهم أنَّ ما يَحدثُ في المسلمينَ اليومَ .. هو مِصداقُ قَولِه تعالى: (إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) .. وفسِّروا لهم قولَه سُبحانَه: (اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين) .. واذكروا لهم كيفَ صبرَ النَّبيِّ صلى اللهُ عليه وسلمَ على رؤيةِ أصحابِه وهو يُعذَّبونَ في مكةَ ولم يستعجلْ .. وكانَ يسمعُ أخبارَهم وهو في المدينةِ ولم يتهوَّرْ .. بل قالَ لهم لمَّا شَكَوا لهُ ما يُقَاسُونَه من العذابِ: (وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ أَوْ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ) .. فالعجلةُ من الشَّيطانِ ولا تأتي بخيرٍ.
    أوصوهم بالصَّبرِ والعبادةِ .. فقد قالَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: (العِبَادَةُ في الهَرجِ كَهِجرَةٍ إِلَيَّ) .. وأن لا يخوضوا مع الخائضينَ .. فعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضيَ اللهُ عنه قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا النَّجَاةُ؟، قَالَ: (أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ) .. واتلوا عليهم قولَه تعالى: (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُم وَعَمِلُوا الصَّالحَاتِ لَيَستَخلِفَنَّهُم في الأَرضِ كَمَا استَخلَفَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِم وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُم دِينَهُمُ الَّذِي ارتَضَى لَهُم وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِن بَعدِ خَوفِهِم أَمنًا يَعبُدُونَني لا يُشرِكُونَ بي شَيئًا وَمَن كَفَرَ بَعدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ).
    فلعلَّ هذه النَّصيحةَ تَصلُّ إلى قلوبِهم .. ولعلَّ بهذه الكلماتِ تهدأُ نفوسُهم .. وعسى أن تكونَ لهم حِصناً حصيناً .. ودرعاً متيناً .. من سهامِ الشَّهواتِ .. وسيوفِ الشَّبُهاتِ .. فيبقىَ الأمنُ والإيمانُ .. والطُّمأنينةُ في عبادةِ الرَّحمنِ.
    وحتى لا يتَحقَّقُ فينا قولُ ذلكَ الشَّيخِ الكبيرِ لأولادِه: (لقدْ حدَّثناكُم بجوعٍ وخوفٍ مرَّ بنا، وأخشى أن يأتيَ زمانٌ تحدِّثونَ أولادَكم بنعمةٍ وأمنٍ مرَّ بكم).
    اللهمَّ أصلحْ شبابَ المسلمينَ،
    اللهمَّ اجعلْهم قُرةَ عينٍ لوالديهم وأهليهم،
    اللهمَّ اجعلهم عدةً لدينِهم ولأوطانِهم يا حيُّ يا قيومُ ..
    اللهمَّ اصرِفْ عنهم الفِتنَ وقُرَنَاءَ السُّوءِ يا حيُّ يا قيومُ ..
    اللهمَّ وفِّقْ جميعَ ولاةِ المسلمينَ للحُكمِ في شَريعتِكَ، واتِّباعِ سُنَّةِ نبيِّك صلى اللهُ عليه وسلمَ .. اللهمَّ اجعلهم لشَرعِك مُحَكِّمينَ، وبسُنِّةِ نبيِّك متَّبعينَ، ولأوليائِك ناصرينَ ..
    اللهمَّ انصرْ دينَكَ وكتابَك، وسُنَّةَ نبيِّك وعبادَك المؤمنينَ، اللهمَّ ادفعْ عنهم الوَباءَ والغلاءَ، والرِّبا والزِّنا والزلازلَ والمِحَنَ، والفِتنَ ما ظهرَ منها وما بَطَنَ، عن بلادِنا خاصةً وعن سائرِ بلادِ المسلمينَ عامةً يا ربَّ العالمينَ.
    موقع العتيبي


    التعديل الأخير تم بواسطة cbechir ; 06-02-16 الساعة 04:06 PM

  9. #9

    • Online
    • Super Moderator



    تاريخ التسجيل
    Jul 2013
    المشاركات
    2,677
    شكراً
    59
    شكر 105 مرات في 92 مشاركات
    القرآن العظيم

    الخطبة الاولى


    قال تعالى: آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير [البقرة:285].
    اعلم أن الإيمان بالكتب التي أنزلها الله على أنبيائه ورسله من أركان الإيمان ? والقرآن العظيم هو آخر كتاب نزل من عند الله تعالى وقد خصه الله بمزايا تميز بها عما تقدم من الكتب المنزلة: فما القرآن؟ وما الذي تميز به عما سواه من الكتب؟ وما فضائله؟ وما الشبهات التي تدور حوله؟ وهل الأمة بحاجة إليه؟ وكيف ينبغي أن نتلقاه؟ أما القرآن: فهو كلام الله المعجز المنزل على محمد بن عبد الله المكتوب في المصاحف المتعبد بتلاوته.
    وينبغي أن تعلم: أن الكلام يعظم بعظم قائله، فكيف إذا كان المتكلم هو الله عز وجل؟ جبار الأرض والسماء سبحانه بل يعلمنا الله سبحانه أن القرآن لو أنزل على جماد لتصدع وانشق من خشية الله، قال تعالى: لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله [الحشر:21].
    إن القرآن العظيم تميز عن سواه من الكتب بأمور ثلاثة: أ- بالحفظ فلا تحريف ولا تبديل: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون [الحجر:9].
    ب- تضمن المنهج المتكامل: ما فرطنا في الكتاب من شيء [الأنعام:38].
    ج- للخلق أجمعين: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين [الأنبياء:107]، وقال عما سواه: لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا [المائدة:48].
    وأما فضائله: 1- الخيرية لأهله: للحديث: ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه))([1]).
    2- الرفعة لقارئه: للحديث: ((يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها))([2]).
    3- الشفاعة لصاحبه: للحديث: ((اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه))([3]).
    4- الأجر العظيم لقارئه: للحديث: ((من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: آلم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف))([4]).
    5- خيرية وفضائل لا تنتهي: للحديث: ((إن هذا القرآن مأدبة الله فاقبلوا مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن حبل الله، والنور المبين، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه، لا يزيغ فيستعتب، ولا يعوج فيقوم، ولا تنقضي عجائبه ولا يخلق من كثرة الرد، اتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته))([5]).
    6- حضور الملائكة للاستماع: للحديث: ((أن أسيد بن حضير بينما هو في مربده يقرأ إذ جالت (اضطربت) فرسه، فقرأ فجالت فرسه قال: فانصرفت وكان يحي (ابنه) قريبا منها.
    قال: خشيت أن تطأ عليه (أي تمشي عليه الفرس) فرأيت مثل الظلة فيها أمثال السرج (المصابيح) عرجت في الجو حتى ما أراها، فقال : تلك الملائكة كانت تستمع لك، ولو قرأت لأصبحت يراها الناس ما تستتر منهم))([6]).
    7- فرار الشيطان من البيوت العامرة بالقرآن: للحديث: ((لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة ))([7]).
    8- وفي القرآن سور لها ميزة كالفاتحة لقول النبي لأبي سعيد بن المعلى: ((لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قال: الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني))([8])، (الفاتحة سميت بالمثاني لأنها تثني في كل صلاة) وكذا البقرة وآل عمران للحديث: ((اقرؤوا الزهراوين: البقرة وآل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة غمامتان تحاجان عن أصحابهما))([9]).
    وآية الكرسي: للحديث: ((سورة البقرة فيها آية سيدة آي القرآن لا تقرأ في بيت وفيه شيطان إلا خرج منه: آية الكرسي))([10])، والكهف في يوم الجمعة، للحديث: ((من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين))([11]) وتبارك، للحديث: ((إن سورة في القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له وهي تبارك الذي بيده الملك))([12])، ((وقل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن))([13]).
    والمعوذتان: ((قل أعوذ برب الناس وقل أعوذ برب الفلق، للحديث: تعوذ بهما فما تعوذ متعوذ بمثلهما))([14])، ويس للحديث: ((قلب القرآن يس لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له اقرؤوها على موتاكم))([15]).
    وأما الشبهات التي حول القرآن: فأعداء الله حريصون أن يشككوا المسلم بمصدر الخير كله، بمنهج الحياة، حتى يقطعوا الصلة فيما بينه وبين النور وما التخبط التي تعيشه الأمة على مستوى الأفراد والجماعة إلا لذلك الظلام الذي تعيشه.
    ومن هذه الشبهات: أن القرآن من عند محمد بن عبد الله ، وقد ردّ الله هذه الفرية بقوله: وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون [العنكبوت:48]، فرسول الله كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب وقد جعله الله هكذا لعلمه سبحانه بافتراءات أعداء الله عليه.
    ثم يضاف إلى ذلك ردود أخرى قالها العلماء منها: كانت تمر على رسول الله الأحداث العظام وكان أحوج ما يكون إلى آية كحادثة الأفك وملخصها: أن النبي كان إذا خرج في غزوة أقرع بين نسائه فخرجت القرعة لعائشة رضي الله عنها فلما عاد رسول الله عسكر الجيش فخرجت عائشة رضي الله عنها لبعض شأنها فلما عادت رأت أن الجيش قد مشى فجلست تنتظر وكان رجل يقال له: صفوان بن المعطل يتخلف عن الجيش لجمع ما نسيه الجيش ثم يلحق به فلما رأى عائشة رضي الله عنها أناخ لها بناقته فركبت ثم لحق بالمسلمين فلما وصل الجيش ونظروا في الهودج لم يجدوا عائشة رضي الله عنها وبعد قليل دخل صفوان بن المعطل وهو يقود ناقته فتحدث رأس المنافقين عبد الله بن سلول وطعن في عرض رسول الله ومضى شهر كامل ولغط الحديث في عرض رسول الله حتى يقف على المنبر ويقول: ((ما بال أناس يؤذونني في أهلي وما علمت عنهم إلا خيرا)) حتى أنزل الله عشر آيات من سورة النور فيها براءة عائشة رضي الله عنها مما نسب إليها: إن الذين جاؤا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ([16]).
    فلو كان القرآن من عند محمد لأتى بآية ينفي ما نسب إلى زوجه عائشة رضي الله عنها، ولكنه عاش الأمر بكل معاناته وقسوته منتظرا حكم الله وحده مترقبا آيات تتنزل من عند الله ومن عند الله وحده.
    ثم كيف يحاسب الرسول نفسه على أمر الذي جرت معه الحادثة لا يعلم به؟ وذلك عندما جاء ابن أم كتوم وهو أعمى ويقول: يا رسول الله أرشدني، وعند رسول الله رجال من عظماء المشركين فجعل رسول الله يعرض عنه ويقبل على الآخرين فنزلت: عبس وتولى أن جاءه الأعمى [عبس:1-2].
    وابن أم مكتوم لا يعلم بعبوس رسول الله فهو أعمى فدل الأمر أن القرآن كلام الله سبحانه حيث إثبات الموازين ودين الله أعز من أن يسترضى لأجله كافر.
    ج- الإخبار بالأمور المستقبلة: كانت فارس ظاهرة على الروم وكان المشركون يحبون ذلك وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس لأنهم أهل كتاب فأنزل الله قوله: آلم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله [الروم:1-5].
    قال ابن كثير: وكانت نصرة الروم على فارس يوم وقعة بدر في قول طائفة كثيرة من العلماء كابن عباس والثوري والسدي وغيرهم([17]).
    فالإخبار عن أمر مستقبلي وتحديد المدة وإعلام أنه يوافق نصرا للمؤمنين، هذا لا يمكن لبشر أن يقطع به بل هو أمر لا يمكن أن يقطع به إلا الله سبحانه الخالق علام الغيوب جل جلاله .
    د- الحقائق العلمية: التي عرفها العلم مؤخرا بعد بحث ودراسة وتنقيب من ذلك وجود حاجز بين البحر والنهر فلا يبغي أحدهما على صاحبه ولا يختلط به وقال تعالى: مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان [الرحمن :19-20].
    ثم قوله تعالى: كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب [النساء:56].
    ومما عرف العلم أن الجلد تتركز فيه أعصاب الإحساس، فحروق الدرجة الأولى أشد ألماً من حروق الدرجة الثانية أو الثالثة حيث تضعف أعصاب الإحساس، وغير هذا كثير مما كتبه العلماء أمثال كتاب: (الله يتجلى في عصر العلم) (العلم والإيمان) (الطب في محراب الإيمان).
    هل الأمة بحاجة إلى القرآن؟ اعلم أن الله تعالى سمى القرآن العظيم بأسماء تدل عليه، فسمى الله القرآن: أ- روحاً: قال تعالى: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا [الشورى:52].
    فمنزلة القرآن من الأمة بمنزلة الروح من الجسد عليه عوامل التفسخ والتحلل والتعفن وهذا حال الأمة في ضياعها وتفككها وعلائقها وأخلاقها.
    ب- الفرقان: قال تعالى: تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا [الفرقان:1]، فهو الذي يفرق بين الحق والباطل والهدى والضلال والصواب والخطأ وبغيره تلتبس الأمور وتضيع الحقائق، وتعيش الأمة في ضلالة عمياء وجهلاء متخبطة في سيرها.
    ج- الذكر: قال تعالى: وإنه لذكر لك ولقومك [الزخرف:44]، فلا شرف للأمة ولا مكانة ولا منزلة إلا بالقرآن وبغيره يدوسها أعداء الله بأقدامهم وتهان وتستباح.
    كيف ينبغي أن نتلقاه؟ التلقي للتنفيذ: وهذا هدي السلف رضوان الله عليهم، يقول عبد الله بن مسعود: (ما كنا نحفظ من كتاب الله إلا خمسة أو عشرة آيات حتى نعمل بها ثم نعود فنحفظ خمسا أو عشرا أخرى) فكتاب الله سبحانه لم يتنزل للقراءة على الموتى للبركة بل على الأحياء حتى ينتفعوا في تنظيم أحوالهم.
    التعظيم لكتاب الله: فلا ينبغي للأمة التي كرمها الله تعالى - بإنزال هذا الكتاب العظيم عليها- أن تلتفت إلى فضلات وضلالات الآخرين، قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم [الحجرات:1].
    فذلك منتهى سوء الأدب مع الله أن نقدم الأهواء والآراء على قول الله وقول رسوله .
    Educlopedia ([1])البخاري ومسلم.
    ([2])الترمذي.
    ([3])رواه مسلم.
    ([4])الترمذي.
    ([5])الحاكم.
    ([6])البخاري ومسلم.
    ([7])مسلم والنسائي.
    ([8])البخاري وأبو داود.
    ([9])مسلم.
    ([10])الحاكم.
    ([11])النسائي والبيهقي.
    ([12])الترمذي والنسائي.
    ([13])مسلم.
    ([14])أبو داود.
    ([15])أحمد وأبو داود.
    ([16])ابن كثير مجلد 3 ص 268.
    ([17])ابن كثير مجلد 3 ص 436 .
    الموسوعة التعليمية


  10. #10

    • Online
    • Super Moderator



    تاريخ التسجيل
    Jul 2013
    المشاركات
    2,677
    شكراً
    59
    شكر 105 مرات في 92 مشاركات
    ذم الكذب والتهاون فيه




    الخطبة الاولى

    الحمد لله الذي جعل الأخلاق من الدين، وأعلى بها شأن المؤمنين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله الصادق الأمين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه الغر الميامين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:-
    عليكم بتقوى الله فهي الربح الذي لا خسارة فيها ï´؟ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ï´¾.
    أيها الناس: ظاهرة مستشرية، وسمة غالبة، ومرض فتَّاك، وداء عضال، وخُلُقٌ ساقطٌ بغيضٌ إلى الله، بغيض إلى رسوله، بغيض إلى الفِطر الصادقة، يأباه الشرفاء، ويمقته العقلاء، وتمجُّه أنفس النبلاء، يُهين أصحابه، ويُذل أربابه، ويزري بمروجيه؛ إنه الكذب.
    نعم الكذب!! الذي أصبح لبعض الناس سجية ولآخر مطية فقوله كذب وفعله أيضا كذب عافانا الله وإياكم .
    أما المؤمن حقا فإنه لا يمكن أن يكذب لأنه يؤمن بآيات الله يؤمن برسوله يؤمن بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا))، ما أقبح الكاذب غاية الكذب وما أسفل مرتبة الكاذب، الكذب يفضي إلى الفجور وهو الميل والانحراف عن الصراط السوي ثم إلى النار، ويا ويل أهل النار.
    فها هو -صلى الله عليه وسلم- يؤكد أن الكذب صفة للمنافق، وليست للمسلم فيقول: ((آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاثٌ : إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ , وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ , وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ))، وحينما نتأمل هذه الثلاث نجد أنها جميعًا قامت على الكذب، ويعظم إثم الكذب حينما يكون على الله تعالى أو على رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فيا عجبًا لأناس يتطاولون ويُحلِّلون ويحرِّمون، ويجيزون ويمنعون، دون معرفة أو تثبُّت، ï´؟وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌï´¾ [الزمر:60]، ويقول -صلى الله عليه وسلم-: ((مَنْ كذب عليَّ مُتَعمِّدًا فلْيتبوأ مقعده من النار)).
    والكاذب سافل لأنه مكتوب عند الله كذابا، وبئس هذا الوصف لمن اتصف به. إن الإنسان لينفر أن يقال له بين الناس: يا كذاب. فكيف يقر أن يكتب عند خالقه كذابا، وإن الكاذب لمحذور في حياته لا يوثق به في خبر ولا معاملة، وإنه لموضع الثناء القبيح بعد وفاته.
    ولقد قرن الله تعالى الكذب بعبادة الأوثان فقال تعالى: ï´؟ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِï´¾ [الحج:30]. فهل بعد ذلك سبيل إلى أن يتخذ المؤمن الكذب مطية لسلوكه أو منهجا لحياته.
    إن أبا سفيان في حال كفره تنزه أن يوصف بالكذب ولو مرة واحدة مع أنه كان يرى أن له مصلحة في كذبه عما يخبر به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن بعض المنخدعين من هذه الأمة ليستمرئ الكذب ويفتي نفسه بحله إما لتهاون بالكذب، وإما لاعتقاد فاسد، يظن أن الكذب لا يحرم إلا إذا تضمن أكل مال، وإما لطمع مادي يتمتع به في دنياه، وإما لتقليد أعمى لا هداية فيه، وكل ذلك خداع لنفسه وتضليل لفكره .
    والكذب حرام وإن لم يكن فيه أكل لمال الغير بالباطل، ولكنه إذا تضمن أكل مال بالباطل كان أعظم جرما وأشد عقوبة، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم عد الكبائر ومنها اليمين الغموس قيل ما اليمين الغموس ؟ قال: ((الَّذِي يَقْتَطِعُ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا كَاذِبٌ)) [رواه مسلم].
    إن بعض الناس يكذب ليضحك به القوم - وهو مايسمى بالطرفة - فيألف ذلك لما يرى من ضحك الناس ويستمر على عمله فيهون عليه وقد يكون كذبا على قبيلة أو على جنسية أو على لون بشرة معينة أو غيرها وقد جاء في الحديث: ((وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ ، وَيْلٌ لَهُ، وَيْلٌ لَهُ)) [أخرجه الثلاثة وإسناده قوي].
    وإن بعض الناس يكذب على الصبيان لأنهم لا يُوجهون إليه النقد، ولكنه في الحقيقة أوقع نفسه في الكذب وفتح لهم باب التهاون به والتربي عليه، عن عبد الله بن عامر رضي الله عنه قال: جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْتَنَا وَأَنَا صَبِيٌّ صَغِيرٌ ، فَذَهَبْتُ أَلْعَبُ فَقَالَتْ لِي أُمِّي : يَا عَبْدَ اللَّهِ ، تَعَالَ أُعْطِيكَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((مَا أَرَدْتِ أَنْ تُعْطِيَهُ ؟)) ، قَالَتْ : أَرَدْتُ أَنْ أُعْطِيَهُ تَمْرًا ، قَالَ : ((أَمَا إِنَّكِ لَوْ لَمْ تَفْعَلِي لَكُتِبَتْ عَلَيْكِ كِذْبَةً )) [رواه أبو داود والبيهقي].
    فاتقِ الله أيها المسلم، اتقِ الله في نفسك، واتقِ الله في مجتمعك، واتقِ الله في دينك، ألم تعلم أن الدين يظهر في أهله فإذا كان مظهر الأمة الإسلامية مظهر كذب وتقليد أعمى وأكل مال الغير بغير حق فأين المظهر الإسلامي أرأيت إذا ظهر المسلمون بهذا المظهر المشين أفلا يكونون سببا للتنفير عن دين الإسلام، ألا يكونون فريسة لأراذل الأنام؟
    فعجبا وأسفا لأمثال هؤلاء القوم الذين ألبسوا أنفسهم ما تعروا به أمام أعدائهم واتبعوا سبيل الهالكين وابتعدوا عن سبيل الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
    الخطبة الثانية:

    الحمدُ لله حمدًا كثيرًا طيِّبًا مباركًا فيه، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:-
    أيها الناس: الْكَذِب أساس الْفُجُور كَمَا قَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم: ((إِن الْكَذِب يهدي إِلَى الْفُجُور وَإِن الْفُجُور يهدي إِلَى النَّار))، وَأول مَا يسري الْكَذِب من النَّفس إِلَى اللِّسَان فيفسده ثمَّ يسري إِلَى الْجَوَارِح فَيفْسد عَلَيْهَا أَعمالهَا كَمَا أفسد على اللِّسَان أَقْوَاله فَيعم الْكَذِب أَقْوَاله وأعماله وأحواله فيستحكم عَلَيْهِ الْفساد ويترامى داؤه إِلَى الهلكة إِن لم يتداركه الله بدواء الصدْق يقْلعُ تِلْكَ من أَصْلهَا.
    وأخيرًا، هذا الحديث نسوقه لكل من تهاون بالكذب، أو استساغ الكذب، بل ولكل من يرجو لقاء الله، ويخشى عقابه، أن يبتعد عن هذا الخلق المشين، والداء اللعين، يقول -صلى الله عليه وسلم-: ((رَأَيْتُ كَأَنَّ رَجُلا جَاءَنِي ، فَقَالَ لِي : قُمْ ، فَقُمْتُ مَعَهُ ، فَإِذَا أَنَا بِرَجُلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا قَائِمٌ ، وَالآخَرُ جَالِسٌ ، بِيَدِ الْقَائِمِ كَلُّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ ، يُلْقِمُهُ فِي شِدْقِ الْجَالِسِ ، فَيَجْذِبُهُ ، حَتَّى يَبْلُغَ كَاهِلَهُ ، ثُمَّ يَجْذِبُهُ فَيُلْقِمُهُ الْجَانِبَ الآخَرَ ، فَيَمُدُّهُ ، فَإِذَا مَدَّهُ رَجَعَ الآخَرُ كَمَا كَانَ ، فَقُلْتُ لِلَّذِي أَقَامَنِي : مَا هَذَا ؟ قَالَ : هَذَا رَجُلٌ كَذَّابٌ ، يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)) فاحذروا الكذب! واحذروا قوله تعالى: ï´؟فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّـهِ عَلَى الْكَاذِبِينَï´¾.
    اللهم طهر ألسنتا من الكذب وقلوبنا من النفاق وأعمالنا من الرياء وأعيننا من الخيانة فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنّا سيء الأخلاق لا يصرف عنّا سيئها إلا أنت، اللهم إنا نعوذ بك من منكرات الأخلاق والأهواء والأدواء، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً يا عليم، اللهم فقهنا في دينك يا ذا الجلال والإكرام. اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، اللهم متعنا بأسماعنا، وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا فى ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، وï»» مبلغ علمنا، وï»» تسلط علينا من ï»» يرحمنا، اللهم أنت ربنا لا إله إلا أنت، خلقتنا ونحن عبيدك، ونحن على عهدك ووعدك ما استطعنا، نعوذ بك من شر ما صنعنا، نبوء لك بنعمتك علينا، ونبوء بذنوبنا، فاغفر لنا، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
    اللهم ارحم المستضعفين من المسلمين في كل مكان، اللهم ارفع البلاء عن المستضعفين من المسلمين في كل مكان، اللهم احقن دماء المسلمين، واحفظ عليهم دينهم وأمنهم وأعراضهم وأموالهم يا رب العالمين، اللهم اكفنا والمسلمين شر الأشرار وكيد الفجار، اللهم ولّ على المسلمين خيارهم واكفهم شرارهم يا رب العالمين، اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك ويقاتلون أهل دينك اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك, اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين يا قوي يا عزيز، اللهم وفقّ ولاة أمرنا بتوفيقك وأيّدهم بتأييدك واجعلهم أنصارا لدينك يا ذا الجلال والإكرام، اللهم من أرادنا وأراد ديننا وبلادنا بسوء اللهم فأشغله في نفسه واجعل كيده في نحره واجعل تدبيره تدميراً عليه يا رب العالمين، اللهم احفظ علينا ديننا وأمننا واستقرارنا وجماعتنا يا أرحم الراحمين .
    اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا وما أعلنّا وما أسررنا وما أنت أعلمُ به منا أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيءٍ قدير، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلته قوةً ومتاعاً إلى حين، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلته قوةً ومتاعاً إلى حين، اللهم أغثنا، غيثاً مغيثاً، هنيئاً مريئاً، سحاً غدقاً، نافعاً غير ضار، عاجلاً غير آجل، اللهم اسق بلادك وعبادك وبهائمك، وانشر رحمتك وأحيي بلدك الميت، اللهم أنزل علينا من السماء ماء مباركاً تُغيث به البلاد والعباد وتعُمَّ به الحاضر والباد، اللهم سقيا رحمة لا سقيا هدم ولا عذاب ولا غرق، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد .
    الشيخ وليد الشعبان

    التعديل الأخير تم بواسطة cbechir ; 10-02-16 الساعة 03:42 PM

صفحة 1 من 11 1 2 3 ... الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
جميع الآراء و المشاركات المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط , و لا تمثل بأي حال من الأحوال وجهة نظر إدارة المنتدى