صفحة 3 من 11 الأولىالأولى 1 2 3 4 5 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 21 إلى 30 من 107
  1. #21

    • Offline
    • Super Moderator



    تاريخ التسجيل
    Jul 2013
    المشاركات
    2,691
    شكراً
    59
    شكر 105 مرات في 92 مشاركات
    آيةُ المُنافِقِ والخوفُ مِنَ النفاق
    الخطبة الاولي



    إِنَّ الحَمدَ للهِ، نَحمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعوذُ باللهِ مِنْ شُرُورِ أَنفُسِنا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَه، وَمَنْ يُضلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَمَ تسلِيماً كَثِيراً. أمّا بعد،
    أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى, واعلموا أن لِصِحَّةِ الإيمانِ وكمالِه علامات, قدْ اعتَنَى أهْلُ العِلْمِ بِبَيانِها, لِأَهَمِّيَتِها, كَيْ يَتَحَلَّى المؤمنُ الناصِحُ لِنَفْسِه بها, ويَحْذَرَ مِن ضِدِّها.
    ومن تِلْكَ العلامات: الخوفُ مِنَ النِّفاق, فإنه عَلامَةٌ مُهِمَّةٌ في هذا البابِ العظيم. فَمَنْ أَمِنَ مِنَ النِّفاقِ فَلْيُراجِعْ إيمانَه, قال ابنُ القَيِّمِ رحمه الله: وبِحَسَبِ إيمانِ العبدِ ومَعْرِفَتِه يَكونُ خَوْفُهُ أَنْ يَكونَ مِنْ أَهْلِ هذِه الطّبَقَة، ولِهذا اشْتَدَّ خوفُ سادَةِ الأُمَّةِ وسابِقِيها على أنفُسِهم أنْ يكونوا مِنهم، فكان عمرُ رضي الله عنه يقول لحذيفة: " ناشدتُكَ الله هل سَمَّاني رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم مع القَوْم؟ -أي المنافقين- فيقول: لا ". وقال ابن أبي مُلَيْكَةَ: " أدركتُ ثلاثينَ مِنْ أصحابِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم, كُلّهُم يخافُ النفاقَ على نَفسِه". وقال الحسنُ البَصْرِيُّ عنِ النفاق: " ما خافَهُ إلا مؤْمِن, وما أَمِنَهُ إلا مُنافِق ". وهذا كُلُّهُ على سبيلِ المُبالَغَةِ في التقوى والوَرَع. والسَّبَبُ في ذلك, أنهم كانوا أَبَرَّ الناسِ قُلوباً، وأَشَدَّهُمْ تعظيماً لِحُرُماتِ الله، وَأَبْعَدَهُمْ عَن انتِهاكِ حُدُودِه ، لكنَّ الواحدَ مِنْهُم لِكَمالِ عِلْمِهِ بِرَبِّه ، وخَوْفِه مِن مَقامِه، يَرى الذَّنْبَ الصغيرَ كبيراً. ويَتَعاظَمُ أنْ يَقولَ قولاً فَيُخالِفُه.
    والنِّفاقُ نِفاقان: نِفاقٌ أكبر مُخْرِجٌ عن مِلَّةِ الإسلام, وهو إظهارُ الإيمان, وإِخفاءُ الكُفر. وَنفاقٌ أصغر, وهو النفاقُ العَمَلي, وهو الطريقُ إلى النفاقِ الأكبر, وإنْ كانَ لا يُخْرِجُ عنِ المِلَّة, لكنه وَسيلَةٌ إلى ذلك وهو من الكبائِر. وَقَدْ وَرَدَ ذِكْرُ النفاقِ العملي في حديثين عن النبي صلى الله عليه وسلم, رواهما البخاري ومسلم. أحدهما: عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أرْبَعٌ منْ كُنَّ فيه كان مُنافِقاً خالِصا, ومَنْ كانت فيه خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كانت فيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفاقِ حتى يَدَعَها: أذا حَدّثَ كَذّب, وَإذا عاهَدَ غَدَر, وإذا وَعَدَ أْخْلَف, وإذا خاصَمَ فَجَر ). والثاني عن أبي هريرةَ رضيَ الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ( آيَةُ المُنافِقِ ثلاثٌ: إذا حَدَّثَ كَذَب, وإذ وَعَدَ أخلف وإذا اؤتُمِنَ خان ). فَمَنْ خافَ على نفسِهِ النفاقَ فَلْيَحْذَرْ مِنْ هذِهِ الخِصال, فإنها الطريقُ إلى النفاقِ الأكبر.
    أوَّلُها: إذا حَدَّثَ كَذَب, والكذِبُ خَصْلَةٌ قبيحَة, خارِمَةٌ لِلْمُروءَةِ والرُجولَة, وَتَدُلُّ دَلالةً واضِحَة, على أنَّ صاحبَهُ لا يَحْتَرِمُ نَفْسَه, ولا يَحْتِرِم جُلَساءَه. وهو من الخصالِ التي تَهْدي إلى الفُجور, ومِنْ ثَمَّ إلى النار. والكَذِبُ كُلُّه مُحَرّمٌ ولو كان صاحِبُهُ مازِحاً. إلا فيما استثناه الدليل: كالكذبِ في الإصلاح بين المتخاصمَيْن.
    الخَصْلَةُ الثانية:
    إذا عاهَدَ غَدَر, قال تعالى: ï´؟ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً ï´¾. فالعُهُودُ مُحْتَرَمة, والوَفاءُ بها واجب حتى ولو كانت مع المشركين. وَهيَ مَعَ المسلمين مِنْ بابِ أَوْلى. وقال عليه الصلاة والسلام: ( لِكُلِّ غادِرٍ لِواءٌ يومَ القيامة يُعرَفُ بِه ). ومِنْ أعْظَمِ أنواعِ الغْدْرِ عندَ أهلِ العلم: نَقضُ بيعَةِ ولي الأمر المُسلِمِ كما أفتى بذلك عبدالله بنُ عمرَ رضيَ الله عنهما, وَغَيْرُهُ مِنْ سَلَفِ هذه الأُمَّة.

    الخصلةُ الثالثة:
    إذا وعد أخلف, وهو على نوعين: الأول: أن يَعِد, وفي نِيَّتِه أَنْ لا يَفي بالوعد, وهذا أَشَدُّ النّوْعَيْن. والثاني: أن يَعِد, وفي نيَّتِه أن يَفِي بالوَعْد, ثُمَّ يُخْلِفُ وَعْدَه من غيرِ عُذْرٍ أو اعتِذار, وهذا مُحَرَّمٌ أيضاً. أما إذا تَخَلَّفَ لِعُذْرٍ, أو اعتَذَرَ مِمَّنْ واعَدَه, فلا شيءَ عليه. وهذا يدل على أن الوفاءَ بالوَعْدِ واجِب, وأنَّ الإلتِزامَ بالمَواعيد وانضباطَ صاحِبِها دليلٌ على إيمانِه, واحتِرامِه للآخَرِين. ويَدُلُّ أيضاً على عِنايَةِ الإسلامِ بِهذِه الخَصْلَة العَظيمَة, التي أَخَلَّ بها كثيرٌ من المسلمين اليوم, حتى أصبَحَت من الصفاتِ النادِرة. بَلْ ويَزدادُ الأمر سوءًا عندما يَصِفون الشخصَ المحافظَ على المواعيد, بِأنَّ مواعيدَه إنْجِليزِيَّة, أو أمريكِيَّة!!! وهي في حقيقةِ الأمرِ صِفَةٌ إِسْلامِيَّةٌ واجِبَة, ومن أعْظَمِ خِصالِ الإيمانِ التي شَدَّدَ الشارِعُ الحكيمُ في شأنِها.

    باركَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ الْعَظِيم، وَنَفَعنِي وَإِيّاكُمْ بِمَا فِيِه مِنْ الآيَاتِ وَالذّكرِ الْحَكِيم، أَقُولُ مَا تَسْمَعُون وَاسْتَغْفُرُ اللهَ لِي وَلَكُم وَلِسَائرِ الْمُسْلِمِين مِنْ كُلِّ ذَنبٍ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم.

    الخطبة الثانية

    الحمدُ للهِ عَلى إِحسانِهِ، وَالشكرُ لَهُ عَلى تَوفِيقِهِ وَامتِنَانِهِ، وَأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وَأشهدُ أنَّ مُحمّداً عَبدُهُ وَرسولُهُ، صلى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلمَ تسليماً كثيراً. أَمّا بَعدُ،
    عباد الله: الخصلة الرابعة, إذا خاصم فَجَر: والفجورُ في الخُصُومَة, هو المَيْلُ عَنِ الحَقِّ والكَذِبُ فيه, ويَشْمَلُ أمرين: الأول, إذا خاصَمَ عِند القاضي: وذلك بأن يدَّعِي ما ليس له, أو يَكْذِبَ في دعواه, أو يحتالَ بِالوسائل المُحَرّمَة كَيْ ينْتَصِرَ على خَصْمِه. والثاني إذا جادَلَ أو تَلاحَى مع أخيه فإنه لا يتحاشى الكلامَ المُحَرَّمَ, ولا يَدَّخِرُ كَلِمَةً سيِّئَةً إلا قالَها, من لَعْنٍ أو قَذْفٍ, أو اتِّهامٍ بِالباطِلْ.
    الخَصْلَةُ الخامسة:
    إذا اؤتُمِنَ خان: والخيانةُ ضِدُّ الأمانة, وهي شامِلَةٌ لِجَميعِ التَّكاليفِ الشَّرْعِيَّة, ولذلك قال تعالى: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ï´¾. فَيَدْخُلُ في ذلك: القولُ على اللهِ بغير عِلْم, والكَذِبُ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم, وَتَتَبُّعُ عوراتِ المسلمين, وأَذِيَّتُهم في نِسائهِم ومحارِمهِم, وإفشاءُ أسْرارِهِم, وَجَحْدُ حُقُوقِهِم وَوَدائِعِهِم, والإخْلالُ بِالعَمَلِ الوظيفي, وعدمُ النُّصْحِ في تنفيذِ عُقُودِ المشاريع. وكذلِكَ الفتوى وتَبْليغُ الدعوة.

    نسألُ اللهَ أنْ يَرْزُقَنا رِعايَةَ أماناتِنا وعُهُودِنا. وأنُ يُطَهِّرَ قٌلُوبَنا من النفاق, وأعمالَنا من الرِّياء, وأَلْسِنَتَنا مِنَ الكَذِب, وأَعْيُنَنا مِنَ الخِيانَة إنك تعلم خائنة ألأعين وما تخفي الصدور، اللهم آتِ نفوسنا تقواها وزكّها أنت خير من زكّاها أنت وليّها ومولاها، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنّا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت يا ذا الجلال والإكرام، اللهم ارزقنا تقواك, واجعلنا نخشاك كأننا نراك، اللهم أصلحْ لنا ديننا الذي هو عصمت أمرنا وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا واجعل الدنيا زيادة لنا في كل خير والموت راحة لنا من كل شر، اللهم احفظنا بالإسلام قائمين واحفظنا بالإسلام قاعدين واحفظنا بالإسلام راقدين ولا تُشمت بنا أعداء ولا حاسدين، اللهم أصلح أحوال المسلمين، اللهم أصلح أحوال المسلمين حكاماً ومحكومين، اللهم أرهم الحق حقاً وارزقهم اتباعه وأرهم الباطل باطلاً وارزقهم اجتنابه، وولّ عليهم خيارهم، واجعل ولايتهم فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا ذا الجلال والإكرام، اللهم احقن دماء المسلمين، اللهم احقن دماء المسلمين، اللهم انصر المستضعفين من المؤمنين، اللهم ارحم المستضعفين من المؤمنين في كل مكان، اللهم ارفع البلاء عن المستضعفين من المؤمنين في كل مكان، اللهم نج المستضعفين من المؤمنين في كلِّ مكانٍ، اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك في كل مكان، اللهم انصرهم في كل مكان يا قوي يا عزيز، اللهم وفق وُلاة أمرنا لما يرضيك، اللهم وفقهم بتوفيقك، وأيّدهم بتأييدك واجعلهم أنصاراً لدينك, وارزقهم البطانة الصالحة الناصحة، اللهم حبّب إليهم الخير وأهله وبغّض إليهم الشر وأهله وبصّرهم بأعدائهم يا ذا الجلال والإكرام، اللهم اغفر لموتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة وماتوا على ذلك اللهم اغفر لهم وارحمهم وعافهم واعف عنهم ووسع مدخلهم وأكرم نزلهم واغسلهم بالماء والثلج والبرد ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس وارحمنا إذا صرنا إلى ما صاروا إليه برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم صلّ وسلم على نبينا محمد .
    الشيخ احمد العتيق





    التعديل الأخير تم بواسطة cbechir ; 17-02-16 الساعة 01:58 PM

  2. #22

    • Offline
    • Super Moderator



    تاريخ التسجيل
    Jul 2013
    المشاركات
    2,691
    شكراً
    59
    شكر 105 مرات في 92 مشاركات
    درس


    فضل الذكر وقراءة القرآن


    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله علية وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد: فإن ذكر الله نعمة كبرى، ومنحة عظمى، به تستجلب النعم، وبمثله تستدفع النقم، وهو قوت القلوب، وقرة العيون، وسرور النفوس، وروح الحياة، وحياة الأرواح. ما أشد حاجة العباد إليه، وما أعظم ضرورتهم إليه، لا يستغنى عنه المسلم بحال من الأحوال.
    1- منزلة الذكر
    2- فضائل تلاوة القرآن الكريم
    3- تفصيل أوجه الذكر في القرآن
    4- درجات الذكر
    5-آداب الذكر
    6- فضل الذكر
    7- أقوال السلف
    8- فوائد الذكر

    1- منزلة الذكر : يقول ابن القيم :" هي منزلة القوم الكبرى التي منها يتزودون وفيها يتجرون، وإليها دائما يترددون. والذكر منشور الولاية الذي من أعطيه اتصل ومن منعه عزل، وهو قوت قلوب القوم الذي متى فارقها صارت الأجساد لها قبورا، وعمارة ديارهم التي إذا تعطلت عنه صارت بورا، وهو سلاحهم الذي يقاتلون به قطاع الطريق، وماؤهم الذي يطفئون به التهاب الطريق ودواء أسقامهم الذي متى فارقهم انتكست منهم القلوب، والسبب الواصل والعلاقة التي كانت بينهم وبين علام الغيوب. به يستدفعون الآفات ويستكشفون الكربات وتهون عليهم به المصيبات، إذا أظلهم البلاء فإليه ملجؤهم، وإذا نزلت بهم النوازل فإليه مفزعهم. فهو رياض جنتهم التي فيها يتقلبون ورءوس أموال سعادتهم التي بها يتجرون. يدع القلب الحزين ضاحكا مسرورا، ويوصل الذاكر إلى المذكور، بل يدع الذاكر مذكورا. وفي كل جارحة من الجوارح عبودية مؤقتة، والذكر عبودية القلب واللسان وهي غير مؤقتة، بل هم مأمورون بذكر معبودهم ومحبوبهم في كل حال: قياما وقعودا وعلى جنوبهم. فكما أن الجنة قيعان وهو غراسها، فكذلك القلوب بور وخراب وهو عمارتها وأساسها. وهو جلاء القلوب وصقالها ودواؤها إذا غشيها اعتلالها وهو باب الله الأعظم المفتوح بينه وبين عبده ما لم يغلقه العبد بغفلته، وهو روح الأعمال الصالحة، فإذا خلا العمل عن الذكر كان كالجسد الذي لا روح فيه. والله أعلم. ".[1]
    2- فضائل تلاوة القرآن الكريم:
    1- أنه يأتي شفيعًا لصاحبه فعن أبي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ، اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ، وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا، اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ».[2]
    2- أهل القرآن هم أهل الله عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: «هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ، أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ»[3]
    3- صاحب القرآن يرتقى في درجات الجنة بقدر ما معه من القرآن فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ، وَارْقَ ، وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا "[4]
    4- مضاعفة ثواب قراءة الحرف الواحد من القرآن أضعافاً كثيرة فقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ»[5]
    3- تفصيل أوجه الذكر في القرآن:" فصل في تفصيل ذلك:
    1 - أما الأول: فكقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (43)} [الأحزاب: 41 - 43] وقوله تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ } [الأعراف: 205] وفيه قولان، أحدهما: في سرك وقلبك، والثاني: بلسانك بحيث تسمع نفسك.
    2 - وأما النهي عن ضده: فكقوله: {وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} [الأعراف: 205] وقوله: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [الحشر: 19]
    3 - وأما تعليق الفلاح بالإكثار منه: فكقوله: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال: 45].
    4 – وأما الثناء على أهله وحسن جزائهم: فكقوله: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} [الأحزاب: 35] إلى قوله: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا } [الأحزاب: 35]
    5 - وأما خسران من لها عنه فكقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [المنافقون: 9]
    6 - وأما جعل ذكره لهم جزاء لذكرهم له فكقوله: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [البقرة: 152]
    7 - وأما الإخبار عنه بأنه أكبر من كل شيء فكقوله تعالى: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} [العنكبوت: 45] وفيها أربعة أقوال:
    أحدها: أن ذكر الله أكبر من كل شيء فهو أفضل الطاعات; لأن المقصود بالطاعات كلها: إقامة ذكره فهو سر الطاعات وروحها.
    الثاني: أن المعنى: أنكم إذا ذكرتموه ذكركم فكان ذكره لكم أكبر من ذكركم له. فعلى هذا: المصدر مضاف إلى الفاعل، وعلى الأول: مضاف إلى المذكور.
    الثالث: أن المعنى: ولذكر الله أكبر من أن يبقى معه فاحشة ومنكر، بل إذا تم الذكر: محق كل خطيئة ومعصية. هذا ما ذكره المفسرون.
    وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - يقول: معنى الآية: أن في الصلاة فائدتين عظيمتين إحداهما: نهيها عن الفحشاء والمنكر، والثانية: اشتمالها على ذكر الله وتضمنها له ولما تضمنته من ذكر الله أعظم من نهيها عن الفحشاء والمنكر.
    8 - وأما ختم الأعمال الصالحة به: فكما ختم به عمل الصيام بقوله: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [البقرة: 185]
    وختم به الحج في قوله: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} [البقرة: 200]
    وختم به الصلاة كقوله: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ } [النساء: 103] وختم به الجمعة كقوله: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 10] ولهذا كان خاتمة الحياة الدنيا، وإذا كان آخر كلام العبد أدخله الله الجنة
    9 - وأما اختصاص الذاكرين بالانتفاع بآياته وهم أولو الألباب والعقول فكقوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } [آل عمران: 190، 191]
    10 - وأما مصاحبته لجميع الأعمال واقترانه بها وأنه روحها: فإنه سبحانه قرنه بالصلاة كقوله: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14] وقرنه بالصيام وبالحج ومناسكه، بل هو روح الحج ولبه ومقصوده. كما قال النبي: «إنما جعل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله»[6] .[7]
    4- درجات الذكر وهو على ثلاث درجات:
    1-الدرجة الأولى: الذكر الظاهر من: ثناء أو دعاء أو رعاية.
    يريد بالظاهر: الجاري على اللسان المطابق للقلب، لا مجرد الذكر اللساني، فإن القوم لا يعتدون به.
    فأما ذكر الثناء: فنحو: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وأما ذكر الدعاء فنحو: {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} [الأعراف: 23] و: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث. ونحو ذلك.
    وأما ذكر الرعاية: فمثل قول الذاكر: الله معي والله ناظر إلي، الله شاهدي. ونحو ذلك مما يستعمل لتقوية الحضور مع الله، وفيه رعاية لمصلحة القلب ولحفظ الأدب مع الله والتحرز من الغفلة والاعتصام من الشيطان والنفس.
    والأذكار النبوية تجمع الأنواع الثلاثة، فإنها متضمنة للثناء على الله والتعرض للدعاء والسؤال والتصريح به، كما في الحديث: «أفضل الدعاء الحمد لله» قيل لسفيان بن عيينة: كيف جعلها دعاء قال: أما سمعت قول أمية بن أبي الصلت لعبد الله بن جدعان يرجو نائله:
    أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء
    إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضه الثناء
    فهذا مخلوق واكتفى من مخلوق بالثناء عليه من سؤاله، فكيف برب العالمين؟ .
    2- الدّرجة الثّانية: الذّكر الخفيّ وهو الخلاص من القيود، والبقاء مع الشّهود، ولزوم المسامرة.
    3- الدّرجة الثّالثة: الذّكر الحقيقيّ، وهو شهود ذكر الحقّ إيّاك، والتّخلّص من شهود ذكرك» .
    وقد سمّي هذا الذّكر حقيقيّا؛ لأنّه منسوب إلى الرّبّ تعالى فذكر الله لعبده هو الذّكر الحقيقيّ، وهو شهود ذكر الحقّ عبده.[8]
    5-آداب الذكر:
    قال الإمام النووي : " وينبغي أن يكون الموضعُ الذي يذكرُ فيه خالياً نظيفاً، فإنه أعظمُ في احترام الذكر المذكور، ولهذا مُدح الذكرُ في المساجد والمواضع الشريفة. وجاء عن الإِمام الجليل أبي ميسرة رضي الله عنه قال: (لا يُذكر اللَّهَ تعالى إلاَّ في مكان طيّب) وينبغي أيضاً أن يكون فمه نظيفاً، فإن كان فيه تغيُّر أزاله بالسِّواك، وإن كان فيه نجاسة أزالها بالغسل بالماء، فلو ذكر ولم يغسلها فهو مكروهٌ ولا يَحرمُ، ولو قرأ القرآن وفمُه نجسٌ كُره، وفي تحريمه وجهان لأصحابنا: أصحُّهما لا يَحرم. واعلم أن الذكر محبوبٌ في جميع الأحوال إلا في أحوال وردَ الشرعُ باستثنائها نذكرُ منها هننا طرفاً، إشارة إلى ما سواه مما سيأتي في أبوابه إن شاء الله تعالى، فمن ذلك: أنه يُكره الذكرُ حالة ض الجلوس على قضاء الحاجة، وفي حالة الجِماع، وفي حالة الخُطبة لمن يسمعُ صوت الخطيب، وفي القيام في الصلاة، بل يشتغلُ بالقراءة، وفي حالة النعاس. ولا يُكره في الطريق ولا في الحمَّام، والله أعلم".[9]
    " والمرادُ من الذكر حضورُ القلب، فينبغي أن يكون هو مقصودُ الذاكر فيحرص على تحصيله، ويتدبر ما يذكر، ويتعقل معناه. فالتدبُر في الذكر مطلوبٌ كما هو مطلوبٌ في القراءة لاشتراكهما في المعنى المقصود".[10]
    6- فضل الذكر:
    أ- عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالوَرِقِ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ»؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: «ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى».[11]
    " قوله ذكر الله تعالى يحتمل معاني لأن ذكر الله على ضربين:
    أحدهما: ذكر باللسان.
    والثاني: ذكر عند الأوامر بامتثالها وعند المعاصي باجتنابها وهو ذكر."[12] " فإنه ظاهر في أن الذكر بمجرده أفضل من أبلغ ما يقع للمجاهد وأفضل من الإنفاق مع ما في الجهاد والنفقة من النفع المتعدي"[13]
    ب- وعَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لاَ يَذْكُرُ رَبَّهُ، مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ»[14]
    " وذلك لأن الذي يذكر الله تعالى قد أحيا الله قلبه بذكره وشرح له صدره فكان كالحي وأما الذي لا يذكر الله فإنه لا يطمئن قلبه والعياذ بالله ولا ينشرح صدره للإسلام فهو كمثل الميت وهذا مثل ينبغي للإنسان أن يعتبر به وأن يعلم أنه كلما غفل عن ذكر الله عز وجل فإنه يقسو قلبه وربما يموت قلبه والعياذ بالله".[15]
    وفي رواية لمسلم «مَثَلُ الْبَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللهُ فِيهِ، وَالْبَيْتِ الَّذِي لَا يُذْكَرُ اللهُ فِيهِ، مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ».[16]
    " فيه الندب إلى ذكر الله تعالى في البيت وأنه لا يخلى من الذكر"[17]
    ج- وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ لِلَّهِ مَلاَئِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ " قَالَ: «فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» قَالَ: " فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ، مَا يَقُولُ عِبَادِي؟ قَالُوا: يَقُولُونَ: يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ " قَالَ: " فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْنِي؟ " قَالَ: " فَيَقُولُونَ: لاَ وَاللَّهِ مَا رَأَوْكَ؟ " قَالَ: " فَيَقُولُ: وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟ " قَالَ: " يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً، وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا وَتَحْمِيدًا، وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا " قَالَ: " يَقُولُ: فَمَا يَسْأَلُونِي؟ " قَالَ: «يَسْأَلُونَكَ الجَنَّةَ» قَالَ: " يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ " قَالَ: " يَقُولُونَ: لاَ وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا " قَالَ: " يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا؟ " قَالَ: " يَقُولُونَ: لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا، وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا، وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً، قَالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ " قَالَ: " يَقُولُونَ: مِنَ النَّارِ " قَالَ: " يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ " قَالَ: " يَقُولُونَ: لاَ وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا " قَالَ: " يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ " قَالَ: " يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا، وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً " قَالَ: " فَيَقُولُ: فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ " قَالَ: " يَقُولُ مَلَكٌ مِنَ المَلاَئِكَةِ: فِيهِمْ فُلاَنٌ لَيْسَ مِنْهُمْ، إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ. قَالَ: هُمُ الجُلَسَاءُ لاَ يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ "[18]
    د- ويكفي في شرف الذكر: أن الله يباهي ملائكته بأهله فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ مُعَاوِيَةُ، إِلَى المَسْجِدِ فَقَالَ: مَا يُجْلِسُكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ. قَالَ: آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ؟ قَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ. قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَمَا كَانَ أَحَدٌ بِمَنْزِلَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَلَّ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: «مَا يُجْلِسُكُمْ؟» قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ وَنَحْمَدُهُ لِمَا هَدَانَا لِلإِسْلَامِ وَمَنَّ عَلَيْنَا بِهِ، فَقَالَ: «آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ؟» قَالُوا: آللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ. قَالَ: «أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ لِتُهْمَةٍ لَكُمْ، إِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ وَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ»[19]
    ر- وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً ".[20]
    " فيه دليل على فضيلة الذكر وهو أن الإنسان إذا ذكر الله عز وجل في نفسه ذكره الله في نفسه وإن ذكره في ملأ ذكره الله في ملأ خير منهم يعني إذا ذكرت ربك في نفسك إما أن تنطق بلسانك سرا ولا يسمعك أحد أو تذكر الله في قلبك فإن الله تعالى يذكرك في نفسه وإذا ذكرته في ملأ أي عند جماعة فإن الله تعالى يذكرك في ملأ خير منهم أي في ملأ من الملائكة يذكرك عندهم ويعلي ذكرك ويثني عليك جل وعلا ففي هذا دليل على فضيلة الذكر وأن الإنسان إذا ذكر الله عند ملأ كان هذا أفضل مما إذا ذكره في نفسه إلا أن يخاف الإنسان على نفسه الرياء فإن خاف الرياء فلا يجهر ولكن لا يكون في قلبه وساوس بأن يقول إذا ذكرت الله جهرا فهذا رياء فلا أذكر الله فليدع هذه الوساوس ويذكر الله تعالى عند الناس وفي نفسه حتى يذكره الله عز وجل كما ذكر ربه".[21]
    ز- الذاكرون: هم أهل السبق فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَسِيرُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ فَمَرَّ عَلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ جُمْدَانُ، فَقَالَ: «سِيرُوا هَذَا جُمْدَانُ سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ» قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ؟ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «الذَّاكِرُونَ اللهَ كَثِيرًا، وَالذَّاكِرَاتُ».[22]
    س- وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ، فَأَنْبِئْنِي مِنْهَا بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ قَالَ: «لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».[23]
    7- أقوال السلف:
    أ- قَالَ: أَبُو الدَّرْدَاءِ: " إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ جِلَاءً، وَإِنَّ جِلَاءَ الْقُلُوبِ ذِكْرُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ "[24]
    ب- قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: «مَا شَيْءٌ أَنْجَى مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ»[25]
    ج- قال الحسن البصري رحمه الله: تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء: في الصلاة وفي الذكر وقراءة القرآن، فإن وجدتم وإلا فاعلموا أن الباب مغلق.[26]
    8- فوائد الذكر : قال ابن القيم : في الذّكر أكثر من مائة فائدة منها:
    1- أنه يطرد الشيطان ويقمعه ويكسره.
    2- أنه يرضي الرحمن عز وجل.
    3- أنه يزيل الهم والغم عن القلب.
    4- أنه يجلب للقلب الفرح والسرور والبسط.
    5- أنه يقوى القلب والبدن.
    6- أنه ينور الوجه والقلب.
    7- أنه يجلب الرزق.
    8- أنه يكسو الذاكر المهابة والحلاوة والنضرة.
    9- أنه يورثه المحبة التي هي روح الإسلام وقطب رحى الدين ومدار السعادة والنجاة. وقد جعل الله لكل شيء سبباً وجعل سبب المحبة دوام الذكر.فمن أراد أن ينال محبة الله عز وجل فليلهج بذكره فإنه الدرس والمذاكرة كما أنه باب العلم، فالذكر باب المحبة وشارعها الأعظم وصراطها الأقوم.
    10- أنه يورثه المراقبة حتى يدخله في باب الاحسان، فيعبد الله كأنه يراه، ولا سبيل للغافل عن الذكر إلى مقام الإحسان، كما لا سبيل للقاعد إلى الوصول إلى البيت.....إلخ.[27]
    عبد الله حسن الغندور


  3. #23

    • Offline
    • Super Moderator



    تاريخ التسجيل
    Jul 2013
    المشاركات
    2,691
    شكراً
    59
    شكر 105 مرات في 92 مشاركات

    الهجرة النبوية المباركة



    الخطبة الاولى
    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونشكره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا مثيل له، ولا ضِدّ ولا نِدّ له، وأشهد أنّ سيّدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا وقرّة أعيننا محمّدًا عبده ورسوله وصفيّه وحبيبه، بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح الأمّة فجزاه الله عنّا خير ما جزى نبيًّا من أنبيائه. الصلاة والسلام عليك سيِّدي يا علم الهدى يا أبا الزهراء يا أبا القاسم يا محمّد ضاقت حيلتنا وأنت وسيلتنا أدركنا يا رسول الله .
    أما بعد عباد الله، فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله العليِّ العظيم ، والسير على خطى رسوله الكريم، يقول الله تعالى في محكم كتابه:{ إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}التوبة/40 .
    إخوة الإيمان، دعا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى العدل والإحسان ومكارم الأخلاق ونهى عن المنكر والبغي. فهو أفضل الأوّلين والآخرين على الإطلاق، هو محمّد صلّى الله عليه وسلّم الذي عرّفه قومه قبل نزول الوحي بلقب الأمين فلم يكن سارقًا ولم يكن رذيلاً ولم يكن متعلّق القلب بالنساء، وكان يدور في المواسم التي يجتمع فيها الناس ويقول:"أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تُفلحوا" . وكان يتبعه رجل من المشركين ويقول: "أيها الناس لا تصدّقوه" .
    صبر النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم على إيذاء المشركين. أليس حينما كان يصلّي عند الكعبة رمى على ظهره عقبة بن أبي معيط سلى جزور؟ وذلك المشرك أبو جهل أراد أن يخنقه بثوبه فمنعه أبو بكر وقال: "أتقتلون رجلاً يقول ربيَ الله ؟". أليس كُسرت رباعيّته من أسنانه؟ أليس ضرب بالحجارة عليه الصلاة والسلام؟ ولكن هذا النبي المؤيّد بنصر الله المبين ثبت كما أمره الله، فما من نبي يتخلّى عن الدعوة إلى الله لشدّة الإيذاء، الكفار تعجّبوا لهذا الصبر فقالوا لأبي طالب: "يا أبا طالب ماذا يريد ابن أخيك؟ إن كان يريد جاهًا أعطيناه فلن نمضي أمرًا إلا بعد مشورته، وإن كان يريد مالاً جمعنا له المال حتى يصير أغنانا، وإن كان يريد الملك توّجناه علينا" . ولكن النبيّ الذي يوحى إليه أجاب عمّه بقوله:" والله يا عمّ لو وضعوا الشمس بيميني والقمر بشمالي ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه" .
    فأجمع المشركون على قتل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وجمعوا من كلِّ قبيلة رجلاً جلدًا ليضربوه ضربة رجل واحد حتى يتفرّق دمه بين القبائل، فأتى جبريل عليه السلام وأخبره بكيد المشركين وأمره بأن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه. فدعا رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم عليَّ بنَ أبي طالب رضي الله عنه وأَمَره أن يبيت على فراشه ويتسجّى بِبُرد له أخضر ففعل، ثمّ خرج صلّى الله عليه وسلّم وهم على بابه ومعه حفنة تراب فجعل يذرّها على رؤوسهم وهـو يقرأ:{ يس {1} وَالْقُرْءانِ الْحَكِيمِ {2} إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ {3} عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ {4} تَنـزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ {5} لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ ءابَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ {6} لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ {7} إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ {8} وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ } . (يـس) .
    ثمّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يختار حبيبه أبا بكر الصدِّيقَ رضي الله عنه يرافقه في الهجرة، ويدخلان إلى الغار وفي الغار ثقوب فجعل الصدّيق رضي الله عنه يسدّ الثقوب بثوبه وبقي ثقب فسدّه برجله ليحمي حبيبه وقرّة عينه محمّدا، فلدغته الأفعى برجله فما حرّكها وما أزاحها، فمن شدّة ألَمه بكى رضي الله عنه فنَزلت دمعته وأيقظت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقام صلّى الله عليه وسلّم ومسح له بريقه الطاهر فشفي بإذن الله تعالى .

    هادينا والصديق معا في الغار ثقوبا وَجَدَ
    وأبو بكر فيهـا وضع ثوبًا مزّقـه إذ وَرَدَ
    ويسدّ الباقي من خوفٍ بالرجل لكي يحمي طه
    لدغته الأفعى من جوفٍ ما حرّكها وما زاح
    فبكى من ألَـمٍ أتعبَهُ والدمعة أيقظت المحبوب
    بالريق الطاهر طيّبهُ وارتاح من الألم المكروب
    وحمى الله تعالى حبيبَه بخيط العنكبوت، حمى الله تعالى حبيبه بأضعف البيوت وأوهن البيوت بيتِ العنكبوت، فأرسل الله حمامة باضت على فم الغار ونسج العنكبوت خيطه. قال تعالى:{ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ } التوبة/32 .
    والمؤمنون في المدينة المنوّرة ينتظرون حبّا وشوقًا، ينتظرون وصول الحبيب المصطفى صلّى الله عليه وسلّم، فكانوا يتوافدون إلى مشارف المدينة من ناحية طريق مكّة وكان بعضهم يتسلّق الأشجار وينظر إلى بعد علّه يرى أثرًا لقدوم الحبيب صلّى الله عليه وسلّم، وتمضي الأيام والساعات ويعودون حزينين.
    وذات يوم والناس في انتظار بلهف وشوق وقد انتصف النهار واشتدّ الحرّ ورجعوا جماعة بعد جماعة وإذ برجل ينادي بأعلى صوته: ها قد جاء من تنتظرون يا أهل المدينة، فتكرّ الجموع عائدة لاستقبال الحبيب المحبوب والحبّ يسبقها ولسان حالها يقول: "طلع البدر علينا من ثنيات الوداع" .
    اللهمّ أعد علينا هذه الذكرى بالأمن والأمان يا ربّ العالمين .

    هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم
    موقع اهل السلة و الجماعة

    التعديل الأخير تم بواسطة cbechir ; 18-02-16 الساعة 04:45 PM

  4. #24

    • Offline
    • Super Moderator



    تاريخ التسجيل
    Jul 2013
    المشاركات
    2,691
    شكراً
    59
    شكر 105 مرات في 92 مشاركات
    الهجرة النبوية المباركة 2

    الخطبة الاولى
    الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونشكره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريـك له ولا مثيـل له، وأشهد أنّ سيّدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا وقرّة أعيننا محمّدًا عبده ورسوله وصفيّه وحبيبه، صلّى الله عليه صلاة يقضي بها حاجاتنا ويفرّج بها كرباتنا ويكفينا بها شرّ أعدائنا، صلّى الله عليه وسلّم وعلى كل رسول أرسله.
    أما بعد عباد الله فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله العليِّ العظيم ، القائل في محكم كتابه: {إنا لننصر رسلنا والذين ءامنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد}. سورة غافر/51 .
    إنّ الله تعالى وعد المؤمنين بالنصر المبين وجعل لهم من الشدّة فرجًا ومن العسر يسرا ومن الضيق سعة، وإنّ الدروس المستفادة من الهجرة كثيرة ومن جملتها ضرورة الصبر على الشدائد والبلايا وكافّة أنواع الظلم والاستبداد، والصمود في وجه الباطل ، والوقوف إلى جانب الحقِّ في شجاعة وحزم وعزم، وإنّ بهجتنا بهذه الذكرى العظيمة في الظروف الحالية التي تمرّ بها الأمّة تبعثنا على مضاعفة الجهد في سبيل نشر دين الله، تبعثنا على مضاعفة الجهد في سبيل إعلاء كلمة لا إله إلا الله محمّد رسول الله بالتعلّم والتعليم .
    ولقد كان لهجرة الفاروق الذي فرق بين الحقِّ والباطل قصّة شأنها شأن كل قصصه وأخباره العظيمة التي تدلّ على حبّه لدين الله واستبساله في سبيل الله، ذلك أنه عندما جاء دور سيّدنا عمر بن الخطاب قبل هجرة الرسول بسبعة أيام، خرج مهاجرًا وخرج معه أربعون من المستضعفين جمعهم عمر رضي الله عنه في وضح النهار وامتشق سيفه وجاء (دار الندوة) وهو مكان تجتمع فيه قريش عادة، فقال الفاروق عمر لصناديد قريش بصوت جهير: "يا معشر قريش من أراد منكم أن تفصل رأسه أو تثكله أمّه أو تترمّل امرأته أو ييتّم ولده أو تذهب نفسه فليتبعني وراء هذا الوادي فإني مهاجر إلى يثرب" . فما تجرّأ أحد منهم أن يحول دونه ودون الهجرة لأنهم يعلمون أنه ذو بأس وقوّة وأنه إذا قال فعل .
    ومن بركات الهجرة أنّ امرأة مِمّن سبقت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالهجرة مات ولدها معها في الطريق إلى المدينة، أصابه مرض فمات فتملّكها الجزع فقالت: "اللهمّ إنك تعلم أني ما هاجرت إلا ابتغاء مرضاتك ومحبّة فيك وفي نبيّك فلا تشمّت بي الأعداء" ، فتحرّك ولدها من تحت الكفن ، قام ولدها في الحال أحياه الله تعالى ، والله على كلِّ شىء قدير . قالت أمّه: "طعم وطعمنا" .وبقي حيا إلى خلافة سيّدنا عمر رضي الله عنه .
    هاجر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى المدينة المنوّرة في شهر صفر وليس في الأول من شهر محرّم كما هو شائع واستقبله المؤمنون بالفرح واستبشر الناس بقدوم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وسمّى الرسول يثرب المدينة المنوّرة ، وآخى بين أهلها بين المهاجرين والأنصار وبنى مسجده، وصار المسلمون على قلب رجل واحد لا يفرّق بينهم طمع الدنيا ولا يباعد بينهم حسد ولا ضغينة، مثلهم كمثل البنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضًا ومثلهم في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى .
    وأوّل بيت نزل فيه صلّى الله عليه وسلّم في المدينة المنوّرة بيت خالد بن زيد أبي أيوب الأنصاريّ ، وخالد بن زيد كان مِمّن حفظ هذه الأبيات التي قالها أسعد الحميري الذي كان يحكم بلاد اليمن قبل بعثة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بستمائة عام ، صفّـت له الجياد من اليمن إلى بلاد الشام فمرّ بالمدينة المنوّرة التي كانت تسمّى يثرب ليكسر أهلها، فاجتمع به حبران من الأحبار المسلمين الذين كانا على دين موسى عليه السلام وقرءا في التوراة أنها أي المدينة المنوّرة هي مهاجر نبي ءاخر الزمان أحمد ، فأنشد أسعد الحميريّ تبع الأوسط :
    شهدت على أحمد أنـه رسول من الله باري النسمّ

    ولو مدّ عمري إلى عمره لكنت وزيـرًا له وابن عمّ

    وجاهدت بالسيف أعداءه وفرّجت عن صدره كل غمّ

    قبل ستمائة عام من بعثة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال هذه الأبيات أسعد الحميري في مدح النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وتوارثها أهل المدينة خلفًا عن سلف .
    أيها الاخوة الأحباب:
    لننظر مجددا الى الوضع الداخلي في لبنا ن، ماذا يجري وماذا يحاول البعض الترويج له والسعي لتحقيقه؟ في كل يوم أحاديث وتصاريح في شاشات التلفزيون والصحف ولقاءات سياسية والموضوع الرئيس هو القرار 1559، وغاب الى حد كبير الحديث عن الاوضاع الاقتصادية والمعيشية وعن الديون والهدر والفساد كذلك غاب الحديث عن الاصلاح الاداري ومشاكل الكهرباء والزراعة والصناعة الى ما هنالك من قضايا.
    إن روائح محاولة العودة إلى الماضي والعودة إلى الفوضى تزكم الأنوف وتثير المخاوف وتؤكد خطورة ما يسعى اليه البعض في مسار واضح من المراهنات المشبوهة والاستقواء بالخارج.
    لم يعد أمامهم وعلى ألسنتهم إلا التهجم على سوريا والمقاومة والتشكيك بلبنانية مزارع شبعا والمطالبة بسحب سلاح المخيمات وصولا الى المطالبة بفصل المسار. ولنسأل هذا السؤال: ماذا يعني كل ذلك؟ إنه يعني أن يكون لبنان وحيدا منفردا ودمية بيد المخطط الصهيوني الاستعماري. إنه يعني التخلي عن مزارع شبعا اللبنانية. إنه يعني التمهيد للقبول بمخطط التوطين وضرب حق عودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم. إنه يعني إشعال الحرائق في لبنان ونشر الفوضى. إنه يعني عودة الذين استقبلوا الدبابة الاسرائيلية عام 82 والذين ركبوا هذه الدبابة والذين خربوا لبنان والذين استباحوا المناطق الوطنية بعد الاجتياح الاسرائيلي والذين بدأوا بتدمير الليرة اللبنانية وأجروا الاتصالات السرية والعلنية مع الصهاينة.
    إنهم يتسترون وراء القرار 1559 ويطالبون بتطبيقه؟ ولكن أين هي بقية القرارات الدولية التي تخص الصراع العربي الاسرائيلي والتي لم يجر تطبيقها؟ لماذا لا يطالبون الصهاينة بالانسحاب من مزارع شبعا ومن الجولان؟ لماذا لا يعيدون الشعب الفلسطيني في الشتات إلى ديارهم ووطنهم ؟
    منذ عام 1978 حين صدر القرار 425 حتى العام ألفين لم ينفذ الصهاينة هذا القرار ولم يفعل المجتمع الدولي شيئا، ولم تتحرر معظم الأراضي اللبناينة إلا بالمقاومة والموقف الرسمي والشعبي، ولم نر من كثير من الذين يسمّون أنفسهم بالمعارضة اليوم أي تحركات داخل لبنان وخارجه تطالب بالانسحاب الاسرائيلي ولم يعملوا آنذاك على تحريك المجتمع الدولي لتحقيق هذا الانسحاب في حين أنهم يرفعون أصواتهم الآن بشعارات الاستقلال والسيادة وغرضهم من ذلك اسقاط لبنان في الفخ المرسوم له وهو السقوط في الاستفراد والضعف والتوطين.
    ولقد قلنا سابقا ونكرر اليوم الدعوة إلى وعي دقة المرحلة وأهمية عدم الانجرار وراء شعارات يراد منها أشياء أخرى وأهمية وعي المجتمع اللبناني والشعب اللبناني لما يحاك ضد لبنان من مؤامرات بأيادٍ لبنانية وأدوات مشبوهة وأساليب خطيرة. ولا يظنن أحد أن هذه الأيادي والأدوات ستقدم لنا أطباق المن والسلوى والسعادة والاستقلال والسيادة بل إنها تقدم السموم والفتن والفوضى والانقلابات وقد ذاق اللبنانيون الأمرّين من هذه السموم ومن هذه الأطباق والأبواق، وأصبحت القضية واضحة إنها قضية صراع بين الخيارات السياسية، صراع بين من يريد لبنان مرفوع الرأس عربي الهوية والانتماء ومن يريد لبنان دمية بيد الصهيونية والاستعمار الجديد، وأما أصحاب الخيارات الرمادية الضبابية فالمطلوب منهم أن يحسموا خيارهم باتجاه الخيار الصحيح وأن يكفوا عن التلون بانتظار رجحان كفة على أخرى وأن يضعوا مصلحة لبنان الحقيقية نصب الأعين بعيدا عن الحسابات الضيقة والانتخابية.
    اللهمّ أعد علينا هذه الذكرى بالأمن والأمان يا ربّ العالمين .

    هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم


    الخطبة الثانية:
    التحذير من قول بعضهم إذا عمل معصية "معليش"

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونشكره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد بن عبد الله وعلى ءاله وصحبه ومن والاه.
    أما بعد عباد الله ، فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله العليّ العظيم القائل في محكم كتابه: {يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديدًا} .
    فالقول السديد إخوة الإيمان والإسلام هو القول الموافق لدين الله، الموافق لكتاب الله، الموافق لحديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
    وكعادتنا في الخطبة الثانية وحبًا في نشر الكلام الحقِّ ومحو الكلام الباطل نحذِّركم من قول بعضهم إذا عمل معصية صغيرة "معليش" فإن كان مراده ولو كان هذا معصية أنا أفعله لا يكفر. وإن كان يفهم من ذلك هذا ذنب صغير وليس ذنبًا كبيرًا لا يكفر لكن يجب النهي عن هذه الكلمة . وأمّا إن كان يفهم من هذه الكلمة أنّ هذا الشىء لا بأس به وأنه حلال مع علمه بحرمته في دين الله فإنه يكفر. فالحلال ما أحلّه الشرع والحرام ما حرّمه الشرع، والحسن ما حسّنه الشرع والقبيح ما قَبّحه الشرع.
    اللهم احفظ علينا ديننا الذي جعلته عصمة أمرنا يا أرحم الراحمين .
    واعلَموا أنَّ اللهَ أمرَكُمْ بأمْرٍ عظيمٍ ، أمرَكُمْ بالصلاةِ والسلامِ على نبيِهِ الكريمِ فقالَ ]إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلُّونَ على النبِيِ يَا أيُّهَا الذينَ ءامَنوا صَلُّوا عليهِ وسَلّموا تَسْليمًا[اللّـهُمَّ صَلّ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا صلّيتَ على سيّدَنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيم وبارِكْ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا بارَكْتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيمَ إنّكَ حميدٌ مجيدٌ، يقول الله تعالى: ]يا أيها الناس اتقـوا ربكـم إنّ زلزلة الساعة شىء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكنّ عذاب الله شديد[، اللّـهُمَّ إنَّا دعَوْناكَ فاستجبْ لنا دعاءَنا فاغفرِ اللّـهُمَّ لنا ذنوبَنا وإسرافَنا في أمرِنا اللّـهُمَّ اغفِرْ للمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهُمْ والأمواتِ ربَّنا ءاتِنا في الدنيا حسَنةً وفي الآخِرَةِ حسنةً وقِنا عذابَ النارِ اللّـهُمَّ اجعلْنا هُداةً مُهتدينَ غيرَ ضالّينَ ولا مُضِلينَ اللّـهُمَّ استرْ عَوراتِنا وءامِنْ روعاتِنا واكفِنا مَا أَهمَّنا وَقِنّا شَرَّ ما نتخوَّفُ. عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعَدْلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذِي القربى وينهى عَنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبَغي، يعظُكُمْ لعلَّكُمْ تذَكَّرون .اذكُروا اللهَ العظيمَ يذكرْكُمْ واشكُروهُ يزِدْكُمْ، واستغفروه يغفِرْ لكُمْ واتّقوهُ يجعلْ لكُمْ مِنْ أمرِكُمْ مخرَجًا، وَأَقِمِ الصلاةَ.
    موقع اهل السنة و الجماعة



  5. #25

    • Offline
    • Super Moderator



    تاريخ التسجيل
    Jul 2013
    المشاركات
    2,691
    شكراً
    59
    شكر 105 مرات في 92 مشاركات


    الربا وخطورته على الفرد والمجتمع
    الخطبة الاولى
    الحمد لله الذي أمر بالعدل والإحسان، ونهى عن الظلم والعدوان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريد له، أحل البيع، وحرم الربا، وقرر أحكام الدين، وأباح للناس التجارة، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله، أشاد به صرح التوحيد ورفع عماده. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن أقتفي أثره واتبع سنته.
    لا يخفى عليكم معاشر الأحبة أننا في زمن فُتِحَت فيه الدنيا على الناس، وكثُرت أموالهم، وتعددت مكاسبهم، وكثرت صور البيوع والمكاسب التي حيَّرت الناس ولبَّست عليهم، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يأتي على الناس زمان ما يبالي الرجل من أين أصاب المال، من حلال أو حرام. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يأتي على الناس زمان ما يبالي الرجل من أين أصاب المال، من حلال أو حرام". رواه النسائي بسند صحيح.
    وإن العبد الصالح نقيُّ القلب لا يتأثر بما يتأثر به الناس، ولا يتابعهم في ما يخالفون فيه هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لم يأكل التمرة لأنه يخشى أن تكون من تمر الصدقة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "أربعٌ إذا كنّ فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحُسْن خليقة، وعفَّة طُعمَة". رواه الإمام أحمد بسند صحيح.
    والعبد إذا اطمأن قلبُه بربه، وَثِق في تدبير ربه له في أمر رزقه، بين بسطه وتقديره، فهو راضٍ عن ربه، غيرُ متطلع لما في يد غيره، قانعٌ برزقه، واثقٌ في حُسْن اختيار الله له، فقد آمن وصدَّق بقول الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم: "إن روح القدس نفث في رُوعِي أن نَفْساً لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنَّ أحدَكم استبطاءُ الرزق أن يطلبه بمعصية الله، فإن الله تعالى لا يُنَال ما عنده إلا بطاعته". رواه أبو نعيم في الحلية وسنده صحيح.
    ولا يتطلع المسلم التقيّ النقيّ للكسب الحرام موقناً بتأكيد النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تستبطئوا الرزق فإنه لم يكن عبد ليموت حتى يبلغ آخر رزق هو له، فأجملوا في الطلب: أخذ الحلال، وترك الحرام". حديث صحيح.
    أيها المسلمون: لقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم العبد من أكل الحرام، مبيِّناً آثاره الضارة على دين العبد وسلامة عبادته، فقال صلى الله عليه وسلم: "أيها الناس! إن الله طيِّب لا يقبل إلا طيِّباً، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: (يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا)، وقال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُم)، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذّي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟". رواه مسلم. قال ابن رجب رحمه الله في شرحه لهذا الحديث: "في هذا الحديث إشارة إلى أنه لا يُقبَل العمل، ولا يزكو إلا بأكل الحلال، وأنَّ أكل الحرام يفسد العمل، ويمنع قَبُوله فإنه قال بعد تقريره: "إن الله طيِّب لا يقبل إلا طيِّباً وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: (يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا)، وقال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُم)"، والمراد بهذا أن الرسل وأممَهم مأمورون بالأكل من الطيِّبات التي هي الحلال، وبالعمل الصالح، فما دام الأكل حلالاً فالعمل صالح مقبول بإذن الله
    عباد الله
    وجاء الزجر عن الربا في كتاب الله -تعالى- عنيفاً شديداً، فهو من الذنوب العظائم القلائل التي وصف اقترافها بمحاربة الله ورسوله! وإذا كان قطاع الطريق يحاربون الله ورسوله باغتصاب الأموال، وترويع الآمنين، وإزهاق الأرواح، فإن أكلة الربا يحاربون الله ورسوله بدمار المجتمعات، وتوسيع الفجوة بين الطبقات، نعم! إن أكلة الربا لا يرفعون السلاح كما يرفعه قطاع الطريق، ولا يأخذون المال عنوة أو بالقوة كما يفعل المحاربون؛ ولكنهم يمتصون دماء الفقراء وهم يبتسمون لهم، وينتهبون أموال الناس وهم يربتون على أكتافهم!!
    ولقد شن القرآن الكريم حملة شديدة عنيفة على المرابين نسوقها بلفظها ثم نأتي عليها بالبيان.
    قال تعالى: الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم
    إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون
    يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين
    فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون
    وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون [البقرة:275-281].
    إنها الحملة المفزعة، والتصوير المرعب الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس وما كان أي تهديد معنوي ليبلغ إلى الحس مبلغ هذه الصورة المجسمة الحية المتحركة، صورة الممسوس المصروع وهي صورة معروفة معهودة للناس. والنص يستحضرها لتؤدي دورها الإيحائي في إفزاع الحس لاستجاشة مشاعر المرابين، وهزّها هزّة عنيفة تخرجهم من مألوف عادتهم ومن حرصهم على ما يحققه لهم من الفائدة.
    والذين يأكلون الربا ليسوا هم الذين يأخذون الفائدة الربوبية وحدهم، إنما هم كل المتعاونين على إجراء العملية الربوية:
    عن جابر بن عبد الله قال: ((لعن رسول الله آكل الربا، وموكله، وشاهديه وكاتبه، وقال: هم سواء)).
    والقرآن يصفهم بأنهم لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس .
    إنهم لا يقومون في الحياة ولا يتحركون إلا حركة الممسوس المضطرب القلق المتخبط الذي لا ينال استقرارا ولا طمأنينة ولا راحة، وهذا أمر أصبح مشاهدا في هذا العصر، فالناس مع الحضارة والرقي والتقدم والرخاء قلقون خائفون مضطربون، قد فشت فيهم الأمراض العصبية والنفسية، والسبب هو خواء الأرواح من زاد الإيمان، الذي هو سبب الطمأنينة والسكينة والهدوء والراحة الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب [الرعد:28].
    وحين يشقى العالم وهو في رخاء مادّي لابد أن يعلم أن السبب هو فقد الغذاء الروحي، الذي سببه الإعراض عن ذكر الله، كما قال تعالى: ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى [طه:124]. تجد الرجل لديه الملايين وهو يشكو من ضيق الصدر ولا يجد السعادة التى ينشدها
    ولكن القوم لا يستحضرون هذا السر، ولا يهتدون إليه سبيلا، لأن لهم قلوب لا يفقهون بها [الأعراف:179].
    ولقد اعترض المرابون في عهد رسول الله على تحريم الربا وتحليل البيع ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وكانت الشبهة التي ركنوا إليها هي أن البيع يحقق فائدة وربحا، كما أن الربا يحقق فائدة وربحا، وهي شبهة أوهى من بيت العنكبوت.
    فالعمليات التجارية قابلة للربح والخسارة، أما العمليات الربوية فهي محدودة الربح في كل حالة، هذا هو مناط التحريم والتحليل: إن كل عملية يضمن فيها الربح على أية وضع هي عملية ربوية محرمة، بسبب ضمان الربح وتحديده، ولا مجال للمماحلة في هذا ولا للمداراة، ولذا أحل الله البيع وحرم الربا .
    ولما علم الله أن من عباده من لا يقيم وزنا ليوم الحساب، ويسقطه من حسابه، فقد أنذرهم بالمحق في الدنيا يمحق الله الربا
    والمحق: هو محو الشيء والذهاب به، وقد اشتهر هذا حتى عرفه العامة، فكم من آكل ربا حل به البلاء فأتى الله بنيانهم من القواعد فخرّ عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون [النحل:26].
    ذلك لهم خزي في الدنيا [المائدة:33].
    ثم يوم القيامة يخزيهم [النحل:27].
    فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا [النمل:52].
    أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور [الحج:46].
    وهكذا يأخذهم بالترغيب أولا، ثم ثنىّ بالترهيب الذي يقصم الظهور، ويزلزل القلوب: فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله .
    أي: إن لم تتركوا ما بقي لكم من الربا كما أمرتم فاعلموا واستيقنوا بأنكم على حرب من الله ورسوله.
    ويا للهول: حرب من الله ورسوله!! إن الخصم ليعرف أن عدوّه يعدّ العدة ليشن الغارة عليه فلا يهدأ ولا ينام، مع احتمال أن يدفع عن نفسه، وأن يكون هو المنتصر. فكيف إذا أعلم بالحرب من الله ورسوله؟! وهي حرب رهيبة معروفة المصير، مقررة العاقبة، لا هوادة فيها، وأين الإنسان الضعيف الفاني من تلك القدرة الجبّارة الساحقة الماحقة؟!.
    وهذه الحرب المعلنة أعمّ من القتال بالسيف والمدفع. إنها حرب على الأعصاب والقلوب، وحرب على البركة والرخاء، وحرب على السعادة والطمأنينة، حرب يسلط الله فيها بعض العصاة على بعض، حرب المطاردة والمشاكسة، حرب الغبن والظلم، حرب القلق والخوف، وأخيرا حرب السلاح بين الأمم والجيوش، والدول، إنها الحرب المشبوبة دائما، وقد أعلنها الله على المرابين، وهي مسعرة الآن تأكل الأخضر واليابس، والبشرية غافلة عما يفعل بها.
    ثم عرّض بالتوبة فقال: وإن تبتم يعني من المعاملات الربوية فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون الناس بأخذ الربا ولا تظلمون ببخسكم رؤوس أموالكم. فكل من تاب من الربا: فإن كانت معاملات سالفة فله ما سلف لا يكلّف ردّه ولا إضاعته، وأمره إلى الله ينظر فيه.
    وإن كانت معاملات موجودة وجب عليه أن يقتصر على رأس ماله، فإن أخذ زيادة فقد تجرأ على الربا.
    عباد الله
    وكذلك كشف عليه الصلاة والسلام حقيقة الربا، وأبان بشاعته وقبحه، بما يردع كل مؤمن بالله واليوم الآخر عن مقاربته فضلاً عن مقارفته؛ فقد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من حديث عبدالله بن مسعود مرفوعاً: «الربا ثلاثة وسبعون باباً أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه» أخرجه الحاكم 2/37 وصححه)، وروى الإمام أحمد من حديث عبدالله ابن حنظلة رضي الله عنه مرفوعاً: «درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ست وثلاثين زنية»(أخرجه أحمد 5/225).
    فهل شيء أقبح من هذا، وهل بعد هذا الزجر من زجر لأولي الإيمان والبصائر؟! إن الربا فاق في قبحه وحرمته أنواعَ الزنا كلها، مع ما في الزنا من فساد الدين والدنيا، فقد سماه الله -تعالى- فاحشة وساء سبيلاً، ومع ما فيه من خيانة كبرى لزوج المزني بها ووالديها، وأسرتها وما ينتج عنه من فساد الأخلاق، وارتفاع الحياء، واختلاط الأنساب، ووقوع الشكوك، وتبرؤ الزوج من نسب ابن زوجته الزانية، والملاعنة في ذلك، وحدُّ الزاني: الرجم أو الجلد مع التغريب، وعقوبة الزناة في تنور مسجور تشوى فيه أجسادهم!!
    رغم ذلك كله فإن الربا أشد تحريماً، وأعظم جريمة، مهما كان الربا قليلاً، كما جاء في الحديث: «درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد عند الله من ستة وثلاثين زنية»، فإذا كان هذا في درهم واحد فكيف بمن يأكلون الألوف بل الملايين؟! وكم هي خسارة من أسس تجارته على الربا، ومن كان كسبه من فوائد الربا، ومن كانت وظيفته كتابة الربا، أو الدعاية له؟! وما هو مصير جسد ما نبت إلا من ربا، وأولادٍ ما أطعموا إلا من ربا، وما غُذوا إلا عليه؟! فما هو ذنبهم أن تبنى أجسادهم بالسحت والحرام؟!

    الخطبة الثانية
    الحمد لله ..أما بعد: أيها المسلمون: لقد سمع الجميع عن اكتتاب الأسهم لدى البنك الأهلي التجاري والذي سيكون خلال الأيام القادمة، وهو أضخم اكتتاب في تاريخ البنوك المحلية، والكثير يرى أنها فرصة لزيادة دخله، وأظن أنه قد بلغ الجميع عشرات الفتاوى من العلماء في هذه البلاد بحرمة الاكتتاب في أسهم البنك الأهلي، لأنه عين الربا الذي حرمه الله ورسوله. فجميع المختصين الذين اطلعوا على القوائم المالية لهذه المساهمة يُجمعون على وجود مليارات ضخمة في أصول البنك من الأموال الربوية. وقد أصدرة اللجنة الدائمة للفتوى بتحريم الاكتتاب والمساهمه فى البنوك والشركات والمؤسسات التى تتعامل بالربا بيعا وشراءا وكذلك المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة قراراً بحرمة شراء أسهم الشركات والمصارف إذا كان في بعض معاملاتها ربا وكان المشتري عالماً بذلك. وإذا اشترى شخص وهو لا يعلم أن الشركة تتعامل بالربا ثم علم فالواجب عليه الخروج منها.فاتقوا الله عباد الله واحذروا محاربة الله ورسوله في هذه المساهمة. والمساهمة مغرية جداً، والآن سيتبين المسلم الورع الذي ينشد الكسب الحلال ليطعمه لأولاده، فتركك يا عبدالله لهذه المساهمة نجاة لك في الدنيا والآخرة، فقليل المال مع التقوى والخوف من الله يبارك الله فيه، والكثير من المال مع نزع البركة منه يكون فيه المحق والنقص والإثم: (يمحق الله الربا ويربي الصدقات).اللهم اغننا بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك
    موقع المسجد



  6. #26

    • Offline
    • Super Moderator



    تاريخ التسجيل
    Jul 2013
    المشاركات
    2,691
    شكراً
    59
    شكر 105 مرات في 92 مشاركات


    داووا مرضاكم بالصدقة


    الخطبة الاولى
    عباد الله، سنقف وإياكم مع الصدقة وأهميتها في الدنيا والآخرة.
    واعلموا ـ عباد الله ـ أن الصدقة باب للرزق فلا تغلقوه، وطريق للخير فلا تنكبوه، اطلبوا الرزق الواسع بها، فبها يبارك الله لك في رزقك القليل، ولا يفتح عليك أبوابًا تضطر فيها إلى الدَيْن والسؤال بسبب مرض أو مصيبة، والرسول الكريم يوجهنا: ((داووا مرضاكم بالصدقة)). ومن هنا جاء توجيه علي : (الصدقة دواء منجح)، فبها يصرف الله عنك البلاء، ويفتح عليك أبواب الخير والسعادة، فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟! فأنت بصدقتك أدخلت السرور والفرح على أهل بيت ضاقت بهم السبل واشتد عليهم الكرب، فجاءت صدقتك نورًا وأملاً يبدد ظلامهم الدامس ويأسهم القاتل، فالله سبحانه حقيق أن يبدد من حولك الظلمات، ويدخل على قلبك السعادة والأمل. فمن يُعطِ باليد القصيرة يُعطَ باليد المبسوطة، ويدك بالتأكيد هي اليد القصيرة، ويد مولاك سبحانه هي المبسوطة العظيمة.
    استنزلوا الرزق بالصدقة، فقد فرض الله الزكاة تسبيبًا للرزق، فلا تبخل بحق الله في مالك، فهو الواهب وهو المانح، فإن مَنَعتَ مُنِعْتَ، فأي المنْعَيْن أشدّ؟! فإنّ لله في كل نعمة حقًا، فمن أداه زاده منها، ومن قصّر عنه خاطر بزوال نعمته.
    الزكاة تحصين، والصدقة حفظ، والعطاء زيادة، والبذل سيادة. سوسوا إيمانكم بالصدقة، وحصنوا أموالكم بالزكاة، وادفعوا أمواج البلاء بالدعاء. استنزلوا الرزق بالصدقة، والمعنى: إذا افتقرتم وأعسرتم فتصدقوا بالقليل الذي تملكون، فإن الله يعطف الرزق عليكم بالصدقة، فكأنكم عاملتم الله بالتجارة، وإنها لتجارة رابحة، وها هنا أسرار لا تعلم.
    فأين المتاجرون بالصدقات؟! أين المتاجرون بالبذل والإنفاق؟! أين المتاجرون بدفع الزّكوات؟! أين الذين يتاجرون في هذا كله مع الله؟! وهل يخسر تاجر يتاجر في تجارة مع الواسع العليم؟! مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: 261].
    فاستنزلوا الرزق بالصدقة، فقهٌ ينبغي له أن يحيَا فينا، فيتبوأ مكانًا عليًا، ويتصدر فهمنا، ويحكم سلوكنا، ويتوّج عرش قلوبنا، حتى نتخلّص من شحّ نفوسنا وسوء ظننا. قال الله تعالى آمرًا نبيه: قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ [إبراهيم: 31]، ويقول جل وعلا: وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ [البقرة: 195]، وقال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم [البقرة: 254]. وقال سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ [البقرة: 267]، وقال سبحانه: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [التغابن: 16].
    ومن الأحاديث الدالة على فضل الصدقة قوله : ((ما منكم من أحدٍ إلاّ سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، فينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، فينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة)) أخرجاه في الصحيحين.
    عباد الله، إن للصدقة فضائل وفوائد:
    أولاً: أنها تطفئ غضبَ الله سبحانه وتعالى، كما في قوله : ((إن صدقة السّرّ تطفئ غضب الربّ تبارك وتعالى)) صححه الألباني ثانيًا: أنها تمحو الخطيئة وتذهب نارها، كما في قوله : ((والصدقة تطفئ الخطيئة كما تطفئ الماء النار)) صححه الألباني في صحيح الترغيب.
    ثالثًا: أنها وقاية من النار، كما في قوله : ((فاتقوا النار ولو بشق تمرة)).
    رابعًا: أن المتصدق في ظل صدقته يوم القيامة، كما في حديث عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله يقول: ((كل امرئ في ظلّ صدقته حتى يقضى بين الناس)). وقد ذكر النبي أن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: ((رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)) أخرجاه في الصحيحين.
    خامسًا: أن في الصدقة دواء للأمراض البدنية، كما في قوله : ((داووا مرضاكم بالصدقة)). يقول ابن شقيق: سمعت ابن المبارك وسأله رجل عن قرحةٍ خرجت في ركبته منذ سبع سنين، وقد عالجها بأنواع العلاج، وسأل الأطباء فلم ينتفع به، فقال: اذهب فاحفر بئرًا في مكان حاجةٍ إلى الماء، فإني أرجو أن ينبع هناك عين ويمسك عنك الدم، ففعل الرجل فبرأ.
    سادسًا: إن فيها دواء للأمراض القلبية، كما في قوله لمن شكا إليه قسوة قلبه: ((إذا أردت تليين قلبك فأطعم المسكين وامسح على رأس اليتيم)) سابعًا: أن الله يدفع بالصدقة أنواعًا من البلاء، كما في وصية يحيى عليه السلام لبني إسرائيل التي أخبرنا بها رسول الله : ((وآمركم بالصدقة؛ فإن مثل ذلك مثل رجل أسره العدو فأوثقوا يده إلى عنقه، وقدموه ليضربوا عنقه، فقال: أنا أفتدي منكم بالقليل والكثير، ففدى نفسه منهم)) وهو في صحيح الجامع. فالصدقة لها تأثير عجيب في دفع أنواع البلاء ولو كانت من فاجرٍ أو ظالمٍ بل من كافر، فإن الله تعالى يدفع بها أنواعًا من البلاء، وهذا أمر معلوم عند الناس خاصتهم وعامتهم، وأهل الأرض مقرون به لأنهم قد جربوه.
    ثامنًا: أن المنفق يدعو له الملك كلّ يوم بخلاف الممسك، وفي ذلك يقول : ((ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا)) أخرجاه في الصحيحين.
    تاسعًا: أن صاحب الصدقة يبارك له في ماله، كما أخبر النبي عن ذلك بقوله: ((ما نقصت صدقة من مال)) رواه مسلم.
    عاشرًا: أنه لا يبقى لصاحب المال من ماله إلا ما تصدق به، كما في قوله تعالى: وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ [البقرة: 272]. ولما سأل النبيّ عائشة رضي الله عنها عن الشاة التي ذبحوها: ((ما بقى منها؟)) قالت: ما بقى منها إلا كتفها، قال: ((بقي كلها غير كتفها)) رواه مسلم.
    الحادي عشر: أن الله يضاعف للمتصدق أجره، كما في قوله عز وجل: إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ [الحديد: 18]، وقوله سبحانه: مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة: 245].
    الثاني عشر: أن صاحبها يدعى من باب خاصّ من أبواب الجنة، يقال له: باب الصدقة، كما في حديث أبي هريرة أن رسول الله قال: ((من أنفق زوجين في سبيل الله نودي في الجنة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الريان))، قال أبو بكر: يا رسول الله، ما على من دُعي من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يُدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال: ((نعم، وأرجو أن تكون منهم)) أخرجاه في الصحيحين.
    الثالث عشر: أنها متى ما اجتمعت مع الصيام واتباع الجنازة وعيادة المريض في يوم واحد أوجب ذلك لصاحبه الجنة، كما في حديث أبي هريرة أن رسول الله قال: ((من أصبح منكم اليوم صائمًا؟)) قال أبو بكر: أنا، قال: ((فمن تبع منكم اليوم جنازة؟)) قال أبو بكر: أنا، قال: ((فمن عاد منكم اليوم مريضًا؟)) قال أبو بكر: أنا، فقال رسول الله: ((ما اجتمعت في امرئ إلا دخل الجنة)) رواه مسلم.
    الرابع عشر: أن فيها انشراح الصدر وراحة القلب وطمأنينته، فإن النبي ضرب مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد من ثدييهما إلى تراقيهما، فأما المنفق فلا ينفق إلا اتسعت أو فرت على جلده حتى يخفى أثرها، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئًا إلا لزقت كل حلقة مكانها فهو يوسعها ولا تتسع. فالمتصدق كلما تصدق بصدقة انشرح لها قلبه وانفسح بها صدره، فهو بمنزلة اتساع تلك الجبة عليه، فكلما تصدَّق اتسع وانفسح وانشرح وقوي فرحه وعظم سروره، ولو لم يكن في الصَّدقة إلا هذه الفائدة وحدها لكان العبدُ حقيقا بالاستكثار منها والمبادرة إليها، وقد قال تعالى: وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ [الحشر: 9].
    الخامس عشر: أنَّ النبَّي جعل الغنى مع الإنفاق بمنزلة القرآن مع القيام به، وذلك في قوله: ((لا حسد إلا في اثنين: رجلٌ آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل والنهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل والنهار)). فكيف إذا وفق الله عبده إلى الجمع بين ذلك كله؟! نسأل الله الكريم من فضله.
    السادس عشر: أنَّ الصدقة مطهرة للمال، تخلصه من الدَّخن الذي يصيبه من جراء اللغو والحلف والكذب والغفلة، فقد كان النَّبي يوصي التّجار بقوله: ((يا معشر التجار، إنَّ هذا البيع يحضره اللغو والحلف فشوبوه بالصدقة)) رواه أحمد والنسائي وابن ماجه وصححه الألباني في صحيح الجامع.
    أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
    الخطبة الثانية
    عباد الله، أيها المسلمون، ما هي أفضل الصدقات؟
    أولاً: الصدقة الخفية؛ لأنَّها أقرب إلى الإخلاص من المعلَنة، وفي ذلك يقول جل وعلا: إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِىَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتؤْتُوهَا الفُقَرَاءِ فَهُوَ خَيرٌ لَّكُمْ [البقرة: 271]. قال ابن القيم في طريق الهجرتين: "فأخبر أنَّ إعطاءها للفقير في خفية خيرٌ للمنفق من إظهارها وإعلانها، وتأمَّل تقييده تعالى الإخفاء بإتيان الفقراء خاصة، ولم يقل: وإن تخفوها فهو خيرٌ لكم، فإنَّ من الصدقة ما لا يمكن إخفاؤه كتجهيز جيشٍ وبناء قنطرة وإجراء نهر أو غير ذلك،
    ثانيًا: الصدقةُ في حال الصحة والقوة أفضل من الوصية بعد الموت أو حال المرض والاحتضار، كما في قوله : ((أفضل الصدقة أن تصدَّق وأنت صحيحٌ شحيحُ تأمل الغنى وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا، ألا وقد كان لفلان كذا)) في الصحيحين.
    ثالثا: بذل الإنسان ما يستطيعه ويطيقه مع القلة والحاجة؛ لقوله : ((أفضل الصدقة جهد المُقل، وابدأ بمن تعول)) رواه أبو داود، وقال : ((سبق درهم مائة ألف درهم))، قالوا: وكيف؟! قال: ((كان لرجل درهمان تصدق بأحدهما، وانطلق رجل إلى عرض ماله فأخذ منه مائة ألف درهم فتصدق بها)) رواه النسائي وهو في صحيح الجامع.
    رابعا: الإنفاق على الأولاد كما في قوله : ((الرجل إذا أنفق النفقة على أهله يحتسبها كانت له صدقة)) أخرجاه في الصحيحين، وقوله : ((أربعة دنانير: دينار أعطيته مسكينًا، ودينار أعطيته في رقبةٍ، ودينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته على أهلك، أفضلها الدينار الذي أنفقته على أهلك))
    خامسا: الصدقة على القريب وقال : ((الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم اثنتان؛ صدقة وصلة)) رواه أحمد والنسائي والترمذي وابن ماجه، وقال : ((أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح)) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وهو في صحيح الجامع. والرحم الكاشح هو القريب الذي يضمر العداوة ويخفيها.
    سادسًا: الصَّدقة على الجار؛ فقد أوصى به الله سبحانه وتعالى بقوله: وَالْجَارِ ذِي القُرْبَى وَالْجَارِ الجُنُبِ [النساء: 36]، وأوصى النبي أبا ذر بقوله: ((وإذا طبخت مرقة فأكثر ماءها، واغرف لجيرانك منها)) رواه مسلم.
    سابعا: الصدقة الجارية؛ وهي ما يبقى بعد موت العبد ويستمر أجره عليه، لقوله : ((إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)) رواه مسلم.

    موقع المسجد


    التعديل الأخير تم بواسطة cbechir ; 21-02-16 الساعة 08:51 AM

  7. #27

    • Offline
    • Super Moderator



    تاريخ التسجيل
    Jul 2013
    المشاركات
    2,691
    شكراً
    59
    شكر 105 مرات في 92 مشاركات

    مجالسنا وكثرة اللغط


    الخطبة الاولي



    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره؛ ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا؛ من يهده الله فلا مضل له؛ ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْْ اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ }.{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا }.{ يَا أَيُّهَا الَّذِين ءَامَنُواْ اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا }. أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. أيها الناس:
    إنَّ الواجبَ على كلِّ مسلم أن يَحفظَ مجالسَه من أن تضيع في اللَّغَط والباطل وفيما يضرُّ الإنسانَ في الآخرة، وأن يحرصَ على ملئها بالنافع المفيد من أمر الدِّين والدنيا، وليعلم أنَّ ألفاظَه معدودةٌ عليه، مكتوبةٌ في صحائفه، مسطَّرةٌ في أعماله، وسوف يُحاسَب عليها عندما يلقى الله عزَّ وجلَّ، إن خيراً فخير، وإن شرًّا فشرٌّ، والله تعالى يقول: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}.
    فمن الخير للمسلم أن يحفظَ مجالسَه ويجتهدَ في عمارتها بذكر الله تعالى ونحو ذلك مِمَّا يسرُّه أن يلقى اللهَ به، وما جلس أحدٌ مجلساً ضيَّعه في غير ذكر الله إلاَّ ندم أشدَّ النَّدم.
    روى أبو داود في سننه -وصححه الألباني رحمه الله- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لاَ يَذْكُرُونَ اللهَ فِيهِ، إِلاَّ قَامُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ، وَكَانَ لَهُمْ حَسْرَةً" ؛ لأنَّ الذين يقومون عن مجلس فيه جيفةُ حمار لا يحصل لهم في مجلسهم ذلك إلاَّ الروائح المنتنة، والمنظر الكريه، ولا يقومون إلاَّ وهم بندامة وحسرة، فكذلك مَن يقومون عن مجلس ليس فيه ذكر الله، لا يحصل لهم إلاَّ الخوضُ في الآثام والتنقُّل في أباطيل الكلام، إلى غير ذلك من الأمور التي تضرُّ في الآخرة، وتورثُ الحسرةَ والندامة.
    ثم إنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قد أرشد إلى أن يُختم المجلس بذكر الله وطلب مغفرته؛ ليكون ذلك كفَّارةً لِمَا كان من الإنسان في مجلسه، ففي الترمذي وأبي داود - وصحَّحه الألباني ـ رحمه الله ـ في صحيح الترغيبرقم:1516- عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: "مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، إِلاَّ غُفر لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ"
    وروى النسائي - وصحَّحه الألباني - رحمه الله - في صحيح الترغيب (رقم:1518) .- عن عائشة رضي الله عنها: " أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جلس مجلساً أو صلَّى تكلَّم بكلمات، فسألته عائشة عن الكلمات فقال: إن تكلَّم بخير كان طابعاً عليهنَّ إلى يوم القيامة، وإن تكلَّم بغير ذلك كان كفَّارةً له: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ" .
    ورغم أهميَّة هذا الدعاء وعظم فضله، إلاَّ أنَّ كثيراً من الناس تضيعُ مجالسُهم في اللَّغَط واللَّهو وما لا فائدة فيه، وفي الوقت نفسه يَحرمون أنفسَهم من هذا الخير العظيم.
    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم؛ ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم؛ أقول ما تسمعون واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ إنه هو الغفور الرحيم.
    الخطبة الثانية
    الحمد لله على إحسانه؛ والشكر له على توفيقه وامتنانه؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد :-
    ومن الدعوات العظيمة التي كان يختم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً من مجالسه، ما رواه الترمذي- وحسَّنه العلاَّمة الألباني - رحمه الله - في صحيح الجامع (رقم:1268) - من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: "قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُو بِهَؤَلاَءِ الدَّعَوَاتِ لأَصْحَابِهِ: اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ اليَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مَصَائِبَ الدُّنْيَا، وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا، وَأَبْصَارِنَا، وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَلاَ تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلاَ تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلاَ مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلاَ تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لاَ يَرْحَمُنَا".
    وهي دعوةٌ جامعةٌ لأبواب الخير والسعادة في الدنيا والآخرة.
    وقوله: "اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ" أي: اجعل لنا حظًّا ونصيباً من خشيتك - وهي الخوف المقرون بالتعظيم لله ومعرفته سبحانه - ما يكون حاجزاً لنا ومانعاً من الوقوع في المعاصي والذنوب والآثام، وهذا فيه دلالةٌ على أنَّ خشيةَ الله أعظمُ رادع وحاجز للإنسان عن الوقوع في الذنوب، والله يقول: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، فكلَّما ازدادت معرفة العبد بالله ازداد خشيةً لله وإقبالاً على طاعته وبُعداً عن معاصيه.
    وقوله: "وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ" أي: ويسِّر لي من طاعتك ما يكون سبباً لنيل رضاك وبلوغ جنَّتك التي أعدَدتَها لعبادك المتَّقين.
    وقوله: "وَمِنَ اليَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مَصَائِبَ الدُّنْيَا" أي: اقسم لنا من اليقين وهو تمام العلم وكماله بأنَّ الأمرَ لله من قبل ومن بعد، وأنَّه سبحانه يُدبِّر أمورَ الخلائق كيف يشاء ويقضي فيهم ما يريد ما يكون سبباً لتهوين المصائب والنوازل التي قد تحلُّ بالإنسان في هذه الحياة، واليقين كلَّما قوي في الإنسان كان ذلك فيه أدعى إلى الصبر على البلاء؛ لعلم الموقن أنَّ كلَّ ما أصابه إنَّما هو من عند الله، فيرضى ويسلِّم.
    وقوله: "وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا، وَأَبْصَارِنَا، وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا" فيه سؤال الله أن يبقي له السمع والبصر وسائر القوى؛ ليَتمتَّع بها مدَّة حياته.
    وقوله: "واجعَلْه الوارثَ منَّا" أي: اجعل هذا التمتُّعَ بالحواس والقوى باقياً مستمرًّا بأن تبقى صحيحةً سليمةً إلى أن أموت.
    وقوله: "واجعل ثأرنا على من ظلمنا" أي: وفِّقنا للأخذ بثأرنا مِمَّن ظلمنا، دون أن نتعدَّى فنأخذ بالثأر من غير الظالم.
    وقوله: "وانصرنا على من عادانا" أي: اكتب لنا النصر على الأعداء.
    وقوله: "ولا تجعل مصيبتنا في ديننا" أي: لا تُصبنا بما ينقص ديننا ويُذهبه من اعتقاد سيِّء أو تقصير في الطاعة أو فعل للحرام، وذلك لأنَّ المصيبةَ في الدِّين أعظمُ المصائب وليس عنها عِوَض، خلاف المصيبة في الدنيا.
    وقوله: "ولا تجعل الدنيا أكبر همِّنا" أي: لا تجعل أكبر قصدنا وحزننا لأجل الدنيا؛ لأنَّ مَن كان أكبرَ قصده الدنيا فهو بمعزل عن الآخرة، وفي هذا دلالة على أنَّ القليلَ من الهمِّ مِمَّا لا بدَّ منه في أمر المعاش مُرخَّصٌ فيه.
    وقوله: "ولا مبلغ علمنا" أي: لا تجعلنا بحيث لا نعلم ولا نفكِّر إلاَّ في أحوال الدنيا.
    وقوله: "ولا تسلِّط علينا من لا يرحمنا" أي: من الكفار والفجَّار والظلمة.
    اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ اليَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا, وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَلاَ تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلاَ تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلاَ مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلاَ تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لاَ يَرْحَمُنَا يا أرحم الراحمين، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وفقهنا في دينك يا ذا الجلال والإكرام، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمت أمرنا وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا واجعل الدنيا زيادة لنا في كل خير والموت راحة لنا من كل شر، اللهم حببّ إلينا الإيمان وزيّنه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين، اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين، اللهم ارحم المستضعفين من المسلمين في كل مكان، اللهم ارفع البلاء عن المستضعفين من المسلمين في كل مكان، اللهم احقن دماء المسلمين، واحفظ عليهم دينهم وأمنهم وأعراضهم وأموالهم يا رب العالمين، اللهم اكفنا والمسلمين شر الأشرار وكيد الفجار، اللهم ولّ على المسلمين خيارهم واكفهم شرارهم يا رب العالمين، اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك ويقاتلون أهل دينك اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك, اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين يا قوي يا عزيز، اللهم وفقّ ولاة أمرنا بتوفيقك وأيّدهم بتأييدك واجعلهم أنصارا لدينك يا ذا الجلال والإكرام، اللهم من أرادنا وأراد ديننا وبلادنا بسوء اللهم فأشغله في نفسه واجعل كيده في نحره واجعل تدبيره تدميراً عليه يا رب العالمين، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات انك سميع قريب مجيب الدعوات، اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
    الشيخ وليد الشعبان



    التعديل الأخير تم بواسطة cbechir ; 22-02-16 الساعة 02:39 PM

  8. #28

    • Offline
    • Super Moderator



    تاريخ التسجيل
    Jul 2013
    المشاركات
    2,691
    شكراً
    59
    شكر 105 مرات في 92 مشاركات


    زكاة النخيل وفضل النفقة


    الخطبة الاولي

    إِنَّ الحَمدَ للهِ، نَحمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعوذُ باللهِ مِنْ شُرُورِ أَنفُسِنا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَه، وَمَنْ يُضلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَمَ تسلِيماً كَثِيراً. أمّا بعد،
    عباد الله: اتقوا الله تعالى, واشكروه على نِعَمِه, فإنَّ اللهَ تعالَى وَعَدَ الشاكِرينَ بالزِّيادَةِ فقال: ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ). واعلموا أَنَّ مِنْ شُكْرِ اللهِ عَلَى نِعَمِه: أَنْ يُؤَدِّيَ المُسْلِمُ زكاةَ مالِهِ, طَيِّبَةً بِها نَفْسُه. وَمِنَ الأَمْوالِ الزَّكَوِيَّةِ التي يَحْسُنُ الكلامُ عنها هذِهِ الأيام: الثِّمار. فإنَّ كَثيراً مِنَ الناسِ في هذِهِ الأيامِ - والأيامِ القادمة - يَجْنُونَ ثِمارَ نَخِيلِهِمُ التي خَوَّلَهُم اللهُ إياها, وَلَكِنَّهُم قَدْ يَغْفَلُونَ عَنْ نِصابِها, فَتَبْلُغُ عندَ بَعْضِهِمُ النصابَ وهو لا يَشْعُر, فَيَتْرُكُ الزكاةَ التي جَعَلَها اللهُ رُكْنا مِنْ أركانِ الإسلام.
    ونِصابُ التمورِ: خَمْسَةُ أوسُق, والوَسَقُ ستُّونَ صاعاً, فيَكونُ النصابُ ثَلاثَمائةِ صاعٍ. والصاعُ يبلُغُ كِيلُوَين وأربعين غُرَاماً, فيكونُ مجموعُ النصابِ: سِتَّمِائَة واثْنَيْ عَشَرَ كيلواً.
    فَمَن مَلَكَ سِتَّمِائَةٍ واثْنَيْ عَشَرَ كيلواً, وَجَبَتْ عليه الزكاةُ.
    فإذا كانَ صاحبُ النخْلِ لا يَتَكَلَّفُ في سَقْيِ نَخْلِهِ, وإنما يُسْقَى مِنَ الأمطارِ والعُيُون فإنه يُخْرِجُ العُشْرَ. وإذا كانَ نَخْلُهُ يُسْقَى مِنَ الآبارِ والمَكائِنِ كما هي حالُ الناسِ اليومَ, فإنَّه يُخْرِجُ نِصْفَ العُشْرِ.
    وَوَقْتُ وُجُوبِ الزكاةِ إذا بَدَا صَلاحُ الثَّمَرِ, وبَدَأّ يَحْمَرُّ أو يَصْفَرّ. ولكنَهُ لا يُخْرِجها إلا عندَ الْجَذاذِ.
    ولا يَجوزُ أنْ يُخْرِجَ المسْلِمُ زكاتَهُ مِنَ الرَّدِيءِ عَنِ الجيدِ, لِقَوْلِهِ تعالى: ( وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ).
    ومَنْ كانَ عندَهُ نَخْلٌ مُتَفَرِّقٌ, بَعْضُهُ في مَزْرَعَتِهِ, وبَعْضُهُ في استِراحَتِهِ, وبُعْضُهُ في بَيْتِه, فإنَّهُ يَضُمُّ ثِمارَها إلى بَعْضٍ, كَيْ يَعْرِفَ قَدْرَها. فَيُخْرِجُ الزكاةَ إذا بَلَغَ المجموعُ نِصاباً.
    وتُضَمُّ أيضاً الأنواعُ بَعضُها إلى بعضٍ في تَكْمِيلِ النصاب, فالسُّكَّريُّ مثلاً يُضَمُّ إلى البَرْحِي أو الحُلْوَة أو الْمِسْكانِي، لأنها أنواعٌ تَدْخُلُ تَحْتَ جِنْسٍ واحدٍ وَهوَ التَّمْرُ.
    وإِذا كانَ صاحِبُ النَخْلِ لا يُحْسِنُ طَريقَةَ إخراجِ الزكاةِ, فإِنه يُقَدِّرُ قيمَتَها بالفُلُوس, ثُمَّ يُخْرِجُ نِصْفَ العُشْرِ مِن قِيمَتِها.
    وكَذلكَ إذا باعَ ثَمَرَهُ عَلَى رُؤُوسِ النخلِ, وقَدْ بَلَغَت نِصاباً, فإنَّهُ يُخْرِجُ الزكاةَ مِنْ قيمَتِها. وَيَجُوزُ للبائِعِ أن يَشْتَرِطَ على المشتري إِخْراجَ الزكاة, لأنَّ المسلمينَ على شُروطِهِم.
    ثُمَّ اعلَموا يا عبادَ الله, أنَّ الزكاةَ في الخارِجِ مِنَ الأرضِ خاصَّةٌ في الحُبُوبِ والثمارِ, مِمّا يُكالُ ويُدَّخرُ وكانَ قُوتاً, كالبُرِّ والشَعِيرِ والأّرُزِّ والنخيلِ والعِنَب. لأنَّ العِنَبَ يُجُعَلُ زَبيباً.
    وأما الفَواكِهُ والْخَضْراواتُ, كالبرتقالِ والمِشْمشِ والطماطِمِ والبَصَلِ والبِطِّيخِ والكُراثِ والجِرجيرِ والبَطاطِسِ وما شابَهَها فإنه لا زكاةَ فيها.
    ثُمَّ اعلموا يا عبادَ اللهِ أنَّ ما أنفَقْتُمْ مِنْ شَيءٍ سواءً كانَ مِنَ الزكاةِ الواجِبَةِ أو الصَّدَقَةِ المستَحَبَّةِ, فإنَّه لا يَضِيعُ عِندَ الله, بَلْ يَزُيدُكَ بِسَبَبِهِ ويُباركُ لَكَ في الدنيا, ويَدَّخِرُهُ لكَ عنده يومَ القيامة, كما قال تعالى: ( وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ). ويَكْفي في ذلكَ قَوْلُ الله تعالى في الحديثِ القُدْسي: ( يا بنَ آدم: أَنْفِقْ, أُنْفِقْ عَلَيك ). فَيَا لَهُ مِنْ ضَمانٍ يَأْتِيكَ مِمَّنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شيء!!! وهو اللهُ سَبْحانَه, ما دُمْتَ تُنْفِقُ في مَرْضاتِهِ, فلا تَخْشَ على نَفْسِكَ ولا علَى عِيالِكَ الضَّيْعةَ, فإنَّ اللهَ تَكَفَّلَ لَكَ بالنَّفَقَةِ ما دُمْتَ تُنْفِقُ في وُجُوهِ الخيرِ مُخْلِصاً بِذلِكَ لِوَجْهِ الله.
    باركَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ الْعَظِيم، وَنَفَعنِي وَإِيّاكُمْ بِمَا فِيِه مِنْ الآيَاتِ وَالذّكرِ الْحَكِيم، أَقُولُ مَا تَسْمَعُون وَاسْتَغْفُرُ اللهَ لِي وَلَكُم وَلِسَائرِ الْمُسْلِمِين مِنْ كُلِّ ذَنبٍ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم.

    الخطبة الثانية

    الحمدُ للهِ عَلى إِحسانِهِ، وَالشكرُ لَهُ عَلى تَوفِيقِهِ وَامتِنَانِهِ، وَأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وَأشهدُ أنَّ مُحمّداً عَبدُهُ وَرسولُهُ، صلى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلمَ تسليماً كثيراً. أَمّا بَعدُ،
    عباد الله: ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( بَيْنا رَجُلٌ بِفَلاةٍ مِنَ الأرض، فَسَمِعَ صَوتاً في سَحابَة: اسْقِ حديقةَ فُلان. فَتَنَحَّى ذلكَ السحابُ, فَأَفْرَغَ ماءَهُ فِي حَرَّةٍ, فَإذا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّراجِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذلكَ الماءَ كُلَّه, فَتَتَبَّعَ الماءَ, فإذا رَجُلٌ قائِمٌ في حديقتِه يُحَوِّلُ الماءَ بِمِسْحاتِه. فقال له: يا عَبْدَالله, ما اسمُك؟ قال: فلان. لِلإِسمِ الذي سَمِعَ فِي السحابة. فقال له: يا عبدَالله, لِمَ تَسأَلْنِي عن اسمِي؟ فقال: إني سمعتُ صَوتا في السحابِ الذي هذا ماؤُهُ يقول: اسْقِ حديقةَ فُلان, لإسمِك. فما تصنعُ فيها؟ قال: أَمَا إِذْ قُلْتَ هذا، فَإِنِّي أَنْظُرُ إلى ما يَخْرُجُ مِنْها، فَأَتَصدَّقُ بِثُلُثِه، وآكلُ أنا وعِيالِي ثَلُثاً، وَأَرُدُّ فيها ثُلُثَه ). فانْظُرُوا رَحِمَكُمُ اللهُ كيفَ نَزَلَت البَرَكَةُ مِنَ اللهِ على حديقةِ هذا الرجل, واعْلَمُوا أَنَّ مِثْلَ هذِهِ البَرَكة, لَيسَت خاصةً بِحدِيقَةِ هذا الرجل, بل هي عامةٌ لِكُلِّ مَنْ يَقومُ بِمِثْلِ هذا العمل, بِحَيْثُ يَتَصَدَّقُ بشَيْءٍ مِنْ رِبْحِهِ كُلَّما رَبِحَ في صَفْقَةٍ إنْ كانَ مِنْ أهلِ التِجارةِ, أَوْ بِشِيْءٍ مِنْ راتِبِهِ شَهْرِياً إنْ كانَ موظَّفاً.
    اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا تسلط علينا من لا يرحمنا يا أرحم الراحمين ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وفقهنا في دينك يا ذا الجلال والإكرام، اللهم اغفر لنا ذنوبنا كلها, دقها وجلها, أولها وآخرها, علانيتها وسرها، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل, ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل، اللهم آتِ نفوسنا تقواها وزكّها أنت خير من زكاها, أنت وليّها ومولاها، اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم احفظنا بالإسلام قائمين واحفظنا بالإسلام قاعدين واحفظنا بالإسلام راقدين ولا تُشمت بنا أعداء ولا حاسدين، اللهم أصلح أحوال المسلمين حكاما ومحكومين، اللهم أصلح أحوال المسلمين حكاما ومحكومين، اللهم أصلح أحوال المسلمين حكاما ومحكومين، اللهم أنزل على المؤمنين رحمة عامة وهداية عامة يا ذا الجلال والإكرام، اللهم ألّف بين قلوب المؤمنين وأصلح ذات بينهم واهدهم سبل السلام ونجهم من الظلمات إلى النور وانصرهم على عدوك وعدوهم يا قوي يا عزيز، اللهم ارفع البلاء عن المستضعفين من المؤمنين، اللهم ارفع البلاء عن المستضعفين من المؤمنين ، اللهم احقن دماء المسلمين، اللهم احقن دماء المسلمين، اللهم احقن دماء المسلمين، اللهم اجمع كلمة المسلمين على كتابِك وسنةِ نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، واجعلهم يداً واحدةً على من سواهم، ولا تجعل لأعدائهم منةً عليهم يا ذا الجلال والإكرام، اللهم احفظ لبلادنا دينها وعقيدتها وأمنها وعزتها وسيادتها واستقرارها يا ذا الجلال والإكرام، اللهم احفظها ممن يكيد لها، وأصلح أهلها وحكامها يا حي يا قيوم، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات إنك سميع قريب مجيب الدعوات، اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد .
    الشيخ أحمد العتيق





  9. #29

    • Offline
    • Super Moderator



    تاريخ التسجيل
    Jul 2013
    المشاركات
    2,691
    شكراً
    59
    شكر 105 مرات في 92 مشاركات
    من أسباب الانحراف: طـول الأمل

    الكاتب: عبد الحليم توميات


    أرسل إلى صديق












    من أسباب الانحراف: طـول الأمل


    الخطبة الأولى:


    [بعد الخطبة والثّناء] أمّا بعد:


    فإنّ من أسباب الانحراف عن الصّراط المستقيم، والميل عن الطّريق القويم هو طول الأمل.
    ومعنى طول الأمل: أن تحدّث نفسك بطول الحياة، وأنّ بينك وبين الموت مفاوز ومسافات ..
    وما من إنسان على ظهر الأرض إلاّ وترى أملَه يفوق أجلَه، فربّما كان أجل أحدنا عشرين سنة، فترى أمله يصل إلى ستّين أو سبعين سنة، لذلك روى البخاري عن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال: خَطَّ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم خَطًّا مُرَبَّعاً وَخَطَّ خَطاًّ فِي الوَسَطِ خَارِجاً مِنْهُ، وَخَطَّ خِطَطاً صِغَاراً إِلَى هَذَا الَّذِي فِي الوَسَطِ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي فِي الوَسَطِ، وَقَالَ: (( هَذَا الِإنْسَانُ وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ - أو قد أحاط به - وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ، وَهَذِهِ الخِطَطُ الصِّغَارُ الأَعْرَاضُ، فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا، وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا )).
    واعلم أنّ طول الأمل نوعان: طول أمل جائز مشروع، وطول أمل مذموم ممنوع.



    1- أمّا طول الأمل المشروع: فهو ما كان يحملك على العمل لنفسك ولمن بعدك، دون أن تغفل عن الموت، فهذا أمر مشروع معقول،مشروع شرعه الله ورسوله، ومعقول يدلّ على كمال عقل صاحبه وأنّه ينظر إلى أبعد من أرنبة أنفه، فالله أمرنا بعمارة الأرض وزرعها، وأمرنا بالنّكاح وإنجاب الذرّية وإعداد المدارس، وكان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يخطّط لأعمال سنة بكاملها بل لعشرات السّنين.
    2- وأمّا طول الأمل المذموم الممنوع: فهو الغفلة عن الموت، ونسيان لقاء الله تعالى.
    وهذا داء عُضال ومرض قتّال، يفسِد القلب ويتلف الوقت، ويعرج بالمرء إلى عالم الخيال والأوهام.
    وأعجب ما فيه أنّه ينمو ويكبر مع الأيّام ! روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: (( لَا يَزَالُ قَلْبُ الْكَبِيرِ شَابًّا فِي اثْنَتَيْنِ: فِي حُبِّ الدُّنْيَا، وَطُولِ الْأَمَلِ )).
    هذا قلب الشّيخ الكبير تراه شابّا يرجو الحياة ويكره الموت، فكيف بالشّباب ؟!
    إنّ الشّاب يظنّ أنّ الموت سوقٌ لا يلجه إلاّ الكبار ! والحقيقة أنّ أكبر نسبة للوفيات إنّما هي في الشّباب، وقد تفطّن أحدهم لذلك قديما فقال: أكثر من يموت الشّباب، وآية ذلك قلّة الشّيوخ.
    وإنّما كان طول الأمل من أسباب الانحراف والزّيغ عن سبيل الحقّ لأنّه يجرّ إلى التّسويف، وتعطيل الصّالحات، وتأخير التّوبة عند عمل السّيّئات، والتّماطل في ردّ الحقوق، وغير ذلك، ولقد قال كثير من السّلف: إيّاك وسوف، فإنّها من جند إبليس !
    وليس لعلاج هذا الدّاء الخطير، ولا للنّجاة من هذا الشرّ المستطير، إلاّ دواء واحد: هو تذكّر الموت ..
    هـو المـوت ما منه ملاذ ومهرب *** متى حُطَّ ذا عن نعشه ذاك يركب
    نؤمـل آمـالا ونـرجو نتـاجها *** ولعل المـوت مـما نرجِّي أقرب
    ونبني القصور المشمخِرّات في الهوا *** وفـي علمنا أنا نموت وهي تخرب
    والنّفس فيك وديعـة أودعتـها *** ولا بدّ من أن تردّ الودائع وتسلب
    والمسلم مطالب بأن يَخرج من الدّنيا قبل أن يُخرجَ منها.
    والنّصوص الّتي تذمّ طول الأمل، وتأمر بتذكّر الموت كثيرة:
    · فمنها ما يجعل الموت ونهاية العالم أقرب شيء إليك:
    فإنّ الله عزّ وجلّ الّذي ندبنا ورغّبنا في العمل في هذه الحياة الدّنيا، نراه في الوقت نفسه يحضّنا على تذكّر الموت في كلّ لحظة من لحظاتنا، وفي كلّ خطرة من خطراتنا، فيقول الله عزّ وجلّ في محكم تنزيله:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18)} [الحشر]، قال قتادة رحمه الله: ما زال ربّكم يقرّب السّاعة حتّى سمّاها غدا.
    · أنّ ذكر الموت يدفع للعمل، ويقطع الأمل:
    روى التّرمذي والنّسائيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم: (( أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ )) - يَعْنِي الْمَوْتَ-.
    زاد غيرهما: (( فَإِنَّهُ مَا ذَكَرَهُ أَحَدٌ فِي ضِيقٍ إِلاَّ وَسَّعَهُ، وَلاَ ذَكَرَهُ فِي سَعَةٍ إِلاَّ ضَيَّقَهَا عَلَيْهِ )).
    · ذكر الموت من أكبر الأدلّة على عقل المرء وفطنته:
    روى ابن ماجه عن ابن عمرَ رضي الله عنه أنّه قال: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ! أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ ؟ قَالَ: (( أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا )) قَالَ: فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ ؟ قَالَ: (( أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا،وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَادًا، أُولَئِكَ الْأَكْيَاسُ )).
    · وذكر الموت من أعظم مظاهر الحياء من المولى تبارك وتعالى:
    روى التّرمذي وأحمد عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم: (( اسْتَحْيُوا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ )).
    قال: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنَّا نَسْتَحْيِي، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. قَالَ:
    (( لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّ الِاسْتِحْيَاءَ مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ: أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْتَذْكُرْ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَحْيَا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ )).
    · وأنّ نسيان الموت من أسباب الهلاك:
    فقد روى الطّبرانيّ وابن أبي الدّنيا بسند حسن عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه عَنِ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: (( نَجَا أَوَّلُ هَذِهِ الأُمَّةِ بِاليَقِينِ وَالزُّهْدِ، وَيَهْلِكُ آخِرُ هَذِهِ الأُمَّةِ بِالبُخْلِ وَالأَمَلِ )).
    وقد أخبر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أصحابه أنّ هذه الأمّة سوف تُصاب بشلل في معظم أجزائها، حتّى يحلّ العدوّ بفنائها، ولا تستطيع أن تحرّك ساكنا، ولا أن تردّ طاعنا.
    روى الإمام أحمد وأبو داود عن ثوبان مولى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: (( يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا)).
    فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ ؟! قَالَ صلّى الله عليه وسلّم: (( بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ )).
    فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ ؟ قَالَ: (( حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ )).
    وصدق صلّى الله عليه وسلّم .. فما من بليّة ولا رزيّة إلاّ وسببها حبّ الدّنيا اللّعينة، والاغترار بما تبديه لنا من زينة، فاستوينا مع بني إسرائيل في كلّ قديم وجديد، فحقّ علينا كلّ عقاب ووعيد، لأنّ من أبرز صفات اليهود والنّصارى البغاة {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ}..
    هذا حال الأمّة بأجمعها، فكيف بالقلب الّذي تداعى عليه الأعداء حتّى وصلوا إلى سويدائه، فاحتُلَّت معظم أجزائه ؟
    · وإنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ما كان يجد شيئا أنفع لأصحابه من أن يوصيهم بذكر الموت ..
    وهم من هم ؟ الّذين بلغوا القمّة في العبادة، وكانوا في الزّهد سادة وقادة، ومع ذلك يُوصِيهم بالإكثار من ذكر الموت ..
    روى التّرمذي – وأصله في البخاري - عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: أخذ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بمنكبي، فقال:
    (( كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ، وَعُدَّ نَفْسَكَ فِي أَصْحَابِ القُبُورِ. إِذَا أَصْبَحْتَ فَلاَ تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالمَسَاءِ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ فَلاَ تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالصَّبَاحِ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ قَبْلَ مَوْتِكَ، فَإِنَّكَ لاَ تَدْرِي يَا عَبْدَ اللهِ مَا اسْمُكَ غَداً ؟)).
    وروى الطّبراني عن معاذ رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله ! أوصني ! قال: (( اُعْبُدِ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، وَاعْدُدْ نَفْسَكَ فِي المَوْتَى، وَاذْكُرِ اللهَ عِنْدَ كُلِّ حَجَرٍ وَعِنْدَ كُلِّ شَجَرٍ، وَإِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَاعْمَلْ بِجَنْبِهَا حَسَنَةً )).
    وروى الطّبراني أيضا عن رجل من بني النّخع قال: سمعت أبا الدّرداء رضي الله عنه حين حضرته الوفاة قال: أحدّثكم حديثا سمعته من رسول اللهصلّى الله عليه وسلّم، سمعته يقول:
    (( اُعْبُدِ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ، وَاعْدُدْ نَفْسَكَ فِي المَوْتَى، وَإِيَّاكَ وَدَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإِنَّهَا تُسْتَجَابُ )).
    · وكان صلّى الله عليه وسلّم يُصوّر الموت على أنّه يسابق أحدنا:
    فعلينا أن نسبقه بالإكثار من العمل الصّالح، فقد روى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: (( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا: طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، أَوْ الدُّخَانَ، أَوْ الدَّجَّالَ، أَوْ الدَّابَّةَ، أَوْ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ، أَوْ أَمْرَ الْعَامَّةِ )).
    لذلك كثرت في القرآن الكريم تلك النّصوص الّتي يأمرنا الله فيها بالمسارعة في الخيرات والمنافسة في الصّالحات، لأنّه لا أحد يعلم متى يأتيه الموت؟
    قال تعالى:{سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الحديد:21]، وقال تعالى:{وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة:148]، وقال:{فََاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [المائدة: من الآية 48]، وقال مثنيا على طائفة من أهل الكتاب الّذين عرفوا الحقّ وثبتوا عليه:{يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران:114]، وقال مثنيا على أنبيائه وأصفيائه عليهم السّلام:{إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: من الآية90].
    · وكان صلّى الله عليه وسلّم يأمر بزيارة القبور:
    فالموتى خير جليس يعظك بالخير، ففي صحيح مسلم عن بُرَيْدَةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم:
    (( نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا )) زاد غيره: (( وَلْتَزِدْكُمْ زِيَارَتُهَا خَيْراً ))، ((فَإِنَّ فِي زِيَارَتِهَا تَذْكِرَةً )).
    وفي سنن ابن ماجه عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: (( كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا، فَإِنَّهَا تُزَهِّدُ فِي الدُّنْيَا، وَتُذَكِّرُ الْآخِرَةَ )).


    الخطبة الثّانية:


    الحمد لله، الحمد على إحسانه، وعلى جزيل نعمه وعظيم امتنانه، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له شهادة حقّ تعظيما لشانه، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله الدّاعي إلى سبيله ورضوانه، اللهمّ صلِّ عليه وسلّم وعلى أصحابه وآله، وعلى كلّ من اتّبع طريقه وسار على منواله، أمّا بعد:
    فقد تبيّن معاشر المؤمنين أنّ طول الأمل، والغفلة عن الموت من أعظم أسباب انحراف الخلق عن منهج الحقّ، قال العلاّمة ابن رجب رحمه اللهوهو يشرح حديث (( كُنْ فِي الدُّنيَا كأَنَّكَ غَرِيبٌ )):
    " وهذا الحديث أصلٌ في قِصَر الأمل في الدنيا، وأنَّ المؤمنَ لا ينبغي له أن يتَّخذ الدُّنيا وطناً ومسكناً، فيطمئنّ فيها، ولكن ينبغي أنْ يكونَ فيها كأنَّه على جناح سفر: يُهَيِّئُ جهازَه للرّحيل ".
    وبهذا فسّر غيرُ واحدٍ مِنَ العُلماء الزُّهدَ في الدنيا، قال المرّوذي: قلتُ لأبي عبد الله - يعني: الإمام أحمد - أيُّ شيءٍ الزُّهد في الدّنيا ؟ قال: قِصَرُ الأمل.
    وكان النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: (( مَالِي وَلِلدُّنيَا ؟ إنَّمَا مَثَلِي ومَثَلُ الدُّنيَا كَمَثَلِ رَاكِبٍ قَالَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا )).
    وذكر البيهقيّ في " شعب الإيمان " أنّ رجلا دخل على أبي ذرٍّ رضي الله عنه، فجعل يُقلِّب بصره في بيته، فقال: يا أبا ذرٍّ، أين متاعُكم ؟ قالَ:إنَّ لنا بيتاً نوجّه إليه، قالَ: إنَّه لا بدَّ لك من مَتاع مادمت هاهنا، قالَ: إنَّ صاحب المنْزل لا يدعُنا فيه.
    وكان محمد بن واسع إذا أراد أنْ ينام قال لأهله: أستودعكم الله، فلعلَّها أنْ تكون منيّتي الّتي لا أقوم منها، فكان هذا دأبه إذا أراد النّوم.
    قال الرّبيع بن خثيم: " لو غفل قلبي عن ذكر الموت ساعة واحدة لفسد ".
    وما أحسن قول ماجدة القرشيّة عن أصحاب الهمم الدّنيئة: ( بسطُوا آمالهم، فأضاعوا أعمالهم، ولو نصبوا الآجال، وطووا الآمال، لخفّت عليهم الأعمال ).
    وعن محمّد بن أبي توبة قال: أقام معروف الكرخي الصّلاة وقال لي: تقدّم ! فقلت: إن صلّيت بكم هذه الصّلاة لم أصلّ بكم غيرها. فقال معروف: أوتحدّث نفسك أن تُصلِّي غيرها ؟ نعوذ بالله من طول الأمل !.
    فما عليك أيّها الأخ الكريم إلاّ أن تسارع بالتزّود قبل ساعة الصّفر، {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَاب} [البقرة: من 197].
    تزوّد من التّقوى فإنّـك لا تـدري *** إذا جنّ ليل هل تعيش إلى الفـجـر
    فكم من فتًى أمسى وأصبح ضاحكا *** وقد نُسِجت أكفانه وهو لا يـدري
    وكم من عروس زيّنوها لزوجـهـا *** وقد قبضت أرواحهما ليـلة القـدر
    وكم من صغار يُرتجى طول عمرهم *** وقد أدخلت أجسادهم ظلمة القبـر
    وكم من صحيح مات من غير علّـة *** وكم من سقيم عاش حينا من الدّهر
    نبراس الحق




  10. #30

    • Offline
    • Super Moderator



    تاريخ التسجيل
    Jul 2013
    المشاركات
    2,691
    شكراً
    59
    شكر 105 مرات في 92 مشاركات

    من أسباب الانحراف: حسنُ الظَنِّ بالنَفسِ






    الخطبة الأولى:

    [بعد الحمد والثّناء]

    أمّا بعد:
    فإنّ من الأمور التي يوافقك عليها جميع المؤمنين، ولا يخالفك فيها أحد من المسلمين، أنّ هذه الدّنيا إنّما هي جسر يعبره العابرون، وقنطرة يجتازها المارّون .. وسمع الجميع قول الحبيب الشّفيع صلّى الله عليه وسلّم: (( كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ ))..
    كن كأنّك غريب .. ولكنّ الغريب قد يتّخذ مسكناً وينوي إقامةً، فاستدرك صلّى الله عليه وسلّم قائلا: (( أو عابِرُ سَبِيلٍ )) أي: بل عابرُ سبيل.
    وكان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يذكّر أصحابه كلّ جمعة بهذا السّفر من دار العدم إلى دار الشّقاء اللاّزم، إلى دار الخلود الدّائم .. فكان يقرأ على أصحابه صبيحة كلّ جمعة سورتين تشتملان بداية الخلق ونهايتَه: كان يقرأ بسورة الدّهر سورة الإنسان، وسورة السّجدة ..



    أمّا سورة الدّهر ففيها قوله تعالى:{هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً} [الإنسان:1].. فتنتهي إلى وصف حال أهل الجنّة وحال أهل النّار:{يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (31)} ..
    أمّا سورة السّجدة ففيها قوله تعالى:{الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (8)ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (9)} إلى أن قال:{أَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (19) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (20)} إلى أن قال:{فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (30)}..
    الشّاهد أنّهم في هذه الدّنيا في سفر دائم، لا يدري الواحد منّا متى يقال له: حطّ رحالك، وودّع أهلك ومالك، وأعرض علينا أعمالك !
    عندئذ ينتهي السّفر {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} [النّحل: من الآية61].
    هم إمّا إلى نعيم مقيم، أو جحيم أليم، كما قال العليّ الخبير:{فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [الشّورى: من الآية7].
    ولئن كان السّفر الذي نسافره هذه الأيّام قطعة من العذاب، فكيف بالسّفر لملاقاة العزيز الوهّاب ؟
    فالسّفر شاقّ وطويل، والزّاد ضئيل وقليل ..
    فيا قرّة عيون الأبرار بالنّظر إلى وجه الكريم في الدّار الآخرة، ويا ذلّة الرّاجعين بالصّفقة الخاسرة {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ}
    فحـيّ على جنّات عـدن فإنّها *** منازلك الأولـى وفيها المخيّم
    ولكنّنا سبي العدوّ فهـل تـرى *** نعـود إلى أوطـانـنا فنسلم

    فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة *** وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
    وما يزيد الهمّ همّا، ويُضيف إلى الغمّ غمّا، كثرة قطّاع الطّرق الّذين تصادفهم، وكثرة الأعداء الّذين تجاهدهم..
    وقد أصبح جلّ النّاس اليوم، إذا حذّرتهم من العدوّ، انصرف ذهنه إلى البيت الأسود الغربيّ، أو العدوّ الصّهيوني اليهوديّ، أو المنصّر الصّليبيّ، أو العلمانيّ الإرهابيّ .. وكلّ هؤلاء لا ريب أنّهم من الأعداء الّذين {لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلّاً وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} [التّوبة: من الآية8]..
    ولكنّني أقصد أوّل أعدائك وهو نـفـسـك.. نفسك الّتي بين جنباتك وتحملها في طيّاتك ..
    لذلك كان موضوع هذه الخطبة: التّحذير من حسن الظنّ بالنّفس ..
    وينحصر موضوعنا هذا في نقاط ثلاث مهمّات:
    الأولى: في بيان خطر حسن الظنّ بالنّفس.
    الثّانية: ما أسباب حسن الظنّ بالنّفس.
    الثّالثة: كيف السّبيل إلى الحذر من هذا العيب الشّنيع.
    * النّقطة الأولى: في بيان خطر حسن الظنّ بالنّفس.
    فإنّ أَمْرَ هذه النّفس أمر عظيم، وخطرها خطر جسيم، لأنّها أفتك سلاح يستعمله ضدّك الشّيطان الرّجيم.. ومتى كانت النّفس مشتاقة إلى المعاصي والشّهوات، تواقة إلى المجون والنّزوات، كانت من أعظم خطوات الشّيطان، وأكبر أسباب الخسران.
    تلك الخطوات الّتي نهانا الله عزّ وجلّ عن اتّباعها، والوقوع في حبالها قائلا:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}[النور:21].
    وكيف يحسن العبد الظنّ بنفسه وقد قال عزّ وجلّ:{إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} [يوسف] ؟
    فبدلا من أن يحذرها ويتّقي ملذّاتها، تجد ابن آدم اليوم يزكّيها ويبرّئها .. ويثني عليها ويمدحها .. وكأنّ نفسه لم تدخل في الخطاب.
    وما أحسن تفسير الفضيل بن عياض لقوله تعالى:{وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُم} [النساء: من الآية29] قال:" لا تغفلوا عنها فمن غفل عن نفسه فقد قتلها ".
    قال أهل العلم: من أعظم أسلحة الشّيطان الرّجيم حسن الظّنّ بالنّفس، فإذا أوقعه الشّيطان في ذلك أورده المهالك..
    لأنّ حسن الظنّ بالنّفس يجعلك تقع في مصيبتين:
    الأولى: الغفلة عن عيوبها، فترى المساوئ محاسن، وترى السّيئات قربات..وترى العيوب كمالا، والذّنوب جمالا..
    وعين الرّضا عن كلّ عيب كليلة *** كما أنّ عين السّخط تُبدي المساويا
    قال بعض الصّالحين:" متى رضيت عن نفسك فاعلم أنّ الله غير راض عنها ".
    وروى ابن أبي الدّنيا في "محاسبة النّفس" عن أبي الدّرداء رضي الله عنه أنّه قال:" لا يفقه الرّجل كلّ الفقه حتّى يمقت النّاس في جنب الله، ثمّ يرجع إلى نفسه فيكون لها أشدّ مقتا "..
    وروى الإمام أحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت عمر بن الخطّاب رضي الله عنه يوما وبيني وبينه جدار يقول: عمر بن الخطّاب أمير المؤمنين ؟! بخٍ ! والله لتتّقينّ الله يا ابن الخطّاب أو ليُعذّبنّك.
    وذكر ابن الجوزي في " صفة الصّفوة " أنّ الأحنف بن قيس كان عند الانتهاء من الصّلاة والدّعاء يأتي بالمصباح، فيضع أصبعه فيه ثمّ يقول: يا حنيف ! ما حملك على ما صنعت يوم كذا ؟ ما حملك على ما صنعت يوم كذا ؟
    هذا الأحنف الذي قالوا فيه: ما رأينا أحدا أعظم سلطانا على نفسه منه.
    وهذا بكر بن عبد الله المزني رحمه الله يقول وهو في جمع يوم عرفة:" ما أحلى هذا الجمع لولا أنّي فيهم ".
    وقال غيره: لولا أنّي معهم لقلت إنّه مغفور لهم.
    وقال مطرّف بن عبد الله في وقفة عرفة: اللهمّ لا تردّ هذا الجمع من أجلي.
    وقال مالك بن دينار: إذا ذكر الصّالحون فأفّ لي وتفّ.
    المصيبة الثّانية النّاتجة عن حسن الظّن بالنّفس:
    الاهتمام والانشغال بعيوب النّاس .. وهذا ما منه مفرّ إذا كان العبد يحسن الظنّ بنفسه، فقد روى ابن حبّان بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (( يُبْصِرُ أَحَدُكُمْ القَذَاةَ فِي عَيْنِ أَخِيهِ، وَيَنْسَى الجِذْعَ فِي عَيْنِهِ )).
    والله لو علموا قُبـح سريرتي *** لأبـى السّلام عليّ من يلقاني
    ولأعرضوا عنّي وملّوا صحبتي *** ولبُؤْت بعد كـرامة بهـوان
    لا تشغلنّ بعيب غيرك غافلا *** عن عيب نفسك إنّـه عيبان
    كان أبو بكر الصدّيق يكثر من أن يقول:" اللهمّ اجعلني عندك من أحسن خلقك، وعند النّاس من أوسط خلقك، وعند نفسي من أحقر خلقك "..
    فبعد الاغترار بالنّفس، يبدأ المرء في التّفتيش والتّنقيب عن عيوب النّاس، يعيش {كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [النور: من الآية39]..
    وبعد أيّام يصبح هذا الانشغال بعيوب النّاس سجيّة وخصلة لا تنفكّ عنه، فيستعظم وقوع الصّغائر من النّاس ويغفل عن الكبائر من نفسه، وإن تفطّن لعيبه وجد له ألف عذر وعذر، أمّا أن يجد عذرا واحدا لمن معه فذاك فيه نظر..
    قال تعالى:{يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً} [النساء:120] وقال:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام:112].
    وبعدها بأيّام يصبح هذا الانشغال بعيوب النّاس قربة من القرب، وعبادة من العبادات، ويسمّيه نقدا، وتقويما، وبيانا، وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر، وهو في الحقيقة غيبة ومصيبة، ولكن كما قال تعالى: {كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [يونس: من الآية12]، وقال جلّ ذكره:{أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}[فاطر:8]، وقال عزّ وجلّ:{أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} [محمد:14].


    الخطبة الثّانية:


    الحمد لله على إحسانه، وعلى جزيل نعمه وعظيم امتنانه، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له تعظيما لشانه، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله الدّاعي إلى سبيله ورضوانه، أمّا بعد:
    فاعلموا معاشر المؤمنين أنّه ما من داء إلاّ وله أسباب ودواء، فينبغي للعاقل أن يضع يده على مواطن الدّاء ويسأل الله التّوفيق إلى الشّفاء، ويباشر في استعمال الدّواء.
    لذلك كانت النّقطة الثّانية: أسباب حسن الظنّ.
    فأسباب حسن الظنّ بالنّفس كثيرة، منها:
    - الجهل.
    - داء العصر، وهو الغفلة.
    - داء انتشر في وسط المتديّنين، ألا وهو الأقدميّة: فحال أكثرنا اليوم كما قال ربّنا تعالى:{كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: من الآية16].
    - انفتاح الدّنيا وانبساطها:
    فيوم كان الرّجل يعمل في أرضه بيديه، فيختلط الزّرع بدمه، والشّوك بشحمه، فقد كان يحمد الله على نعمه ويطيعه في أوامره.
    ويوم كانت المرأة يذوب جسدها لكثرة تعبها كانت مثال المرأة المسلمة..
    واليوم اغترّ المسلمون بهذا النّعيم الزّائل والمتاع الحائل، صار الواحد منّا يقول: لو لم يكن الله راضيا عنّي ما أنعم عليّ بهذا الخير.. ويجعل هذه النّعم دليلا على رضا الله عنه .. ونسي المسكين أنّ الابتلاء بالنّعم أشدّ فتكا من الابتلاء بالنّقم.
    قال تعالى في النّقم:{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} [الأنعام:42].
    وقال في النِّعم:{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام:44].
    وقد روى الإمام أحمد عن عُقْبَةَ بنِ عامرٍ رضي الله عنه قال: ( إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنْ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ ). والاستدراج: أن يأخذه شيئا فشيئا، كما يفعل بالطّائر تريد أن تصيده، تضع له الطّعام للفتك به، وهذا هو كيد الله بالظّالمين.
    {فلمّا نسوا ما ذكّروا به} أي أعرضوا عن أوامرنا وتكالبوا على معصيتنا.. ماذا .. ؟ خسفنا بهم الأرض ؟ أغرقناهم ؟ أرسلنا عليهم حاصبا ؟أخذتهم الصّيحة ؟ ماذا إذن ؟ { فتحنا عليهم أبواب كلّ شيء }.
    ومن أسباب حسن الظنّ بالنّفس:
    - الأمن من مكر الله .. فكم منّا من هو مقيم على معصية الله وسخطه، والله يستره بمنّه ورحمته .. لا يفضحه ولا يهتك ستره ..
    فبدلا من أن يحمد الله تعالى على ستره، ويقلع عن ذنبه، يظنّ الجاهل أنّ المعصية هينة حقيرة، ولو كانت كبيرة أو خطيرة لعجّل الله العقوبة في الدّنيا ولفضحه على رؤوس الأشهاد..ونسي المسكين أنّ الله تعالى يستدرجه ويمهله حتّى يظنّ ما يظنّ.
    روى البخاري عن أبِي موسَى رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم: (( إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ )) قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ:{وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}.
    النّقطة الأخيرة: كيف السّبيل إلى الحذر من النّفس.
    فإنّ حسن الظنّ بالنّفس مدخل عظيم وعظيم من مداخل الشّيطان الرّجيم، به استطاع أن يجعلنا أسارى ذنوبنا، وعواني عيوبنا، فما السّبيل إلى الاهتمام بعيوب النّفس، وترك الانشغال بعيوب النّاس ؟
    أوّلا: سل ربّك تعالى تزكية نفسك.
    ثانيا: لا يعينك شيء أبدا على الاهتمام بالنّفس من أن تجعلها أبغض شيء إليك، كما سبق بيانه في كثير من أقوال السلف.
    ثالثا: لا تغترّ بطاعتك، بل سل الله التّوفيق والقبول، فقد ذكر الله لنا عن أرباب العزائم وهو يثني عليهم قائلا:{الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران:17]، فبعد صبرهم وصدقهم وقنوتهم وإنفاقهم استيقظوا يستغفرون بالأسحار، لعلمهم أنّهم عاجزون كلّ العجز عن شكر نعمة الله تعالى عليهم.
    وبعد انقضاء صلواتهم استغفار، فقد روى مسلم عن ثوبانَ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّمِ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَثَلَاثًا، وَقَالَ: (( اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ )).
    وبعد إفاضتهم من عرفات، بعد تضرّع وذكر وتهليل وتحميد وتسبيح لربّ الأرض والسّموات هناك استغفار، قال تعالى:{ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة:199]..
    وخاتمة الوضوء استغفار، وخاتمة مجالس العلم استغفار فقد روى أبو داود وغيره عن عبدِ اللهِ بنِ عمْرِو رضي الله عنه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّمقَالَ: (( كَلِمَاتٌ لَا يَتَكَلَّمُ بِهِنَّ أَحَدٌ فِي مَجْلِسِهِ عِنْدَ قِيَامِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ إِلَّا كُفِّرَ بِهِنَّ عَنْهُ، وَلَا يَقُولُهُنَّ فِي مَجْلِسِ خَيْرٍ وَمَجْلِسِ ذِكْرٍ إِلَّا خُتِمَ لَهُ بِهِنَّ عَلَيْهِ كَمَا يُخْتَمُ بِالْخَاتَمِ عَلَى الصَّحِيفَةِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ )).
    وبعد أداء الرّسالة وتبليغ الأمانة أمر الله رسوله بالاستغفار:{فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً} [النصر:3]..
    فهذا الأمر بالاستغفار جاء بعد أعظم العبادات للعليّ الغفّار، موجّها للصّالحين والأبرار، فكيف يغترّ بعد ذلك أحد ؟!..
    رابعا: تذكّر أنّ قلبك بين أصبعين من أصابع الرّحمن يقلّبه كيف يشاء، ولن يُوفّق إلى الثّبات إلاّ من احتقر نفسه، واهتمّ بعيوبها، قال تعالى:{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت:69]..
    أمّا لو عكست الأمر، وصرت متصيّدا لعيوب النّاس دون عيبك فاعلم أنّ الدّائرة تكون عليك، وقد قال الحُكماء:" لَا تُظْهِرْ الشَّمَاتَةَ لِأَخِيكَ فَيَرْحَمَهُ اللَّهُ وَيَبْتَلِيكَ ".
    إذا تذكّرت ذلك كلّه فإنّ الشّيطان سيرجع ويخنس كما قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ}[الأعراف:201]..
    ونختم لقاءنا هذا، بما ذكره سفيان بن عُيينة قال: قال إبراهيم التّيمي رحمه الله:
    " مَثَّلْت نفسي في الجنّة، آكل من ثمارها، وأشرب من أنهارها، وأعانق أبكارها، ثمّ مثّلت نفسي في النّار آكل من زقومها، وأشرب من صديدها، وأعالج سلاسلها وأغلالها، فقلت لنفسي: أيْ نفسُ ! أيّ شيء تريدين ؟ فقالت: أريد أن أُرَدّ إلى الدّنيا فأعمل صالحا، قال: فقلت لها: فأنت في الأمنية فاعملي ".
    سبحانك اللهمّ وبحمدك، لا إله إلاّ أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
    نبراس الحق



صفحة 3 من 11 الأولىالأولى 1 2 3 4 5 ... الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
جميع الآراء و المشاركات المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط , و لا تمثل بأي حال من الأحوال وجهة نظر إدارة المنتدى