صفحة 10 من 11 الأولىالأولى ... 8 9 10 11 الأخيرةالأخيرة
النتائج 91 إلى 100 من 107
  1. #91

    • Online
    • Super Moderator



    تاريخ التسجيل
    Jul 2013
    المشاركات
    2,806
    شكراً
    60
    شكر 105 مرات في 92 مشاركات
    الشائعات وأثرها السيئ على المجتمع


    عناصر الخطبة:

    1- المعنى اللغوي للشائعات.
    2- كيف تنشأ الشائعات.
    3- الآيات الواردة حول هذا الموضوع.
    4- ما جاء في السنة النبوية من التحذير من موضوع الشائعات.
    5- أقوال السلف.
    6-كيف نعالج الشائعات.


    مقدمة:

    في هذه الأيام وخلال الظروف الراهنة التي تمر بها مصر وبعض الدول العربية تكثر الشائعات المدمرة والمحرضة للفتنة من أفراد وقنوات فضائية تثير الفتنة بين أفراد الشعب نفسه وبين بعض الشعوب العربية الشقيقة وتحدث البلبلة مثل الأقوال الكاذبة والنكت السخيفة كل هذا فالإسلام منه بريء.إن الشائعات من أخطر الأمراض المدمرة للمجتمع، فكم من شائعات جنت على أبرياء، وكم من شائعات أشعلت نار الفتنة بين الشعوب ؟ وكم من شائعات نالت من علماء وعظماء؟ وإن الإسلام اتخذ موقفا حاسما حازما قويا من الشائعات ومروجيها لما يترتب عنها من آثار سلبية تزلزل كيان المجتمع وتؤثر على تماسكه وتلاحم أبنائه.
    وبما أننا خطباء ومتصدرون للدعوة إلى الله فلا بد للخطيب أن يتثبت من المعلومات والأحكام التي يلقيها على الناس حتى لا يكون الداعية من حيث لا يدري مصدرا من مصادر الشائعات، وتعميمها على الناس لأن الشائعات من أخطر الأسلحة الفتاكة والمدمرة للمجتمعات والأشخاص.

    معنى الشائعات لغة :

    شائِعة [مفرد]: ج شائعات وشوائِعُ:
    1 - صيغة المؤنَّث لفاعل شاعَ.
    2 - إشاعة، خبر مكذوب غير موثوق فيه وغير مؤكَّد، ينتشر بين النَّاس "حرب الشائعات".[1] و(الإشاعة) الْخَبَر ينتشر غير متثبت مِنْهُ. و (الشائعة) الْخَبَر ينتشر وَلَا تثبت فِيهِ.[2]
    ولكن كيف تنشأ الشائعات؟
    إن الشائعات تنشأ بأحد الأسباب الآتية :
    1- إما خبر لا أساس له من الصحة ولكن تم نشره.
    2- أو خبر صحيح تم إضافة معلومات غير صحيحة له.
    3- أو خبر صحيح تم التهويل فيه.
    4- أو خبر صحيح وتم التعليق عليه أو تفسيره بطريقة مغايرة لحقيقته.

    أولا: الآيات الواردة حول هذا الموضوع :

    أ- يمدح الله عباده الصادقين في القول والعمل، وأمرنا بأن نكون معهم، فقال جل من قائل عليم: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ" [التوبة:119] :
    ب- وصف الله عز وجل في القران الكريم مروجي الشائعات بالفسق ، وحث الناس على التثبت والتبيّن قبل قبول الخبر الكاذب فقال الله سبحانه : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ" [الحجرات: 6]
    سبب نزول هذه الآية :
    عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: " كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ لِيَأْخُذَ مِنْهُمُ الصَّدَقَاتِ، وَأَنَّهُ لَمَّا أَتَاهُمُ الْخَبَرُ فَرِحُوا وَخَرَجُوا لِيَتَلَقَّوْا رَسُولَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّهُ لَمَّا حُدِّثَ الْوَلِيدُ أَنَّهُمْ خَرَجُوا يَتَلَقَّوْنَهُ رَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ بَنِي الْمُصْطَلِقِ قَدْ مَنَعُوا الصَّدَقَةَ. فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ غَضَبًا شَدِيدًا، فَبَيْنَمَا هُوَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ أَنْ يَغْزُوَهُمْ إِذْ أَتَاهُ الْوَفْدُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا
    حُدِّثْنَا أَنَّ رَسُولَكَ رَجَعَ مِنْ نِصْفِ الطَّرِيقِ، وَإِنَّا خَشِينَا أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا رَدَّهُ كِتَابٌ جَاءَهُ مِنْكَ لِغَضَبٍ غَضِبْتَهُ عَلَيْنَا، وَإِنَّا نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ غَضَبِ اللهِ وَغَضَبِ رَسُولِهِ، وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْتَبَهُمْ وَهَمَّ بِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عُذْرَهُمْ فِي الْكِتَابِ، فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} ".[3]
    قال ابن كثير : يأمر تعالى بالتثبت في خبر الفاسق ليحتاط له، لئلا يحكم بقوله فيكون في نفس الأمر كاذبا أو مخطئا، فيكون الحاكم بقوله قد اقتفى وراءه، وقد نهى الله عن اتباع سبيل المفسدين.[4]
    وهذا أيضًا، من الآداب التي على أولي الألباب، التأدب بها واستعمالها، وهو أنه إذا أخبرهم فاسق بخبر أن يتثبتوا في خبره، ولا يأخذوه مجردًا، فإن في ذلك خطرًا كبيرًا، ووقوعًا في الإثم، فإن خبره إذا جعل بمنزلة خبر الصادق العدل، حكم بموجب ذلك ومقتضاه، فحصل من تلف النفوس والأموال، بغير حق، بسبب ذلك الخبر ما يكون سببًا للندامة، بل الواجب عند خبر الفاسق، التثبت والتبيّن، فإن دلت الدلائل والقرائن على صدقه، عمل به وصدق، وإن دلت على كذبه، كذب، ولم يعمل به.[5]
    ب- قال تعالى :" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا"[النساء: 94]
    ج- أمرنا الله أن نتجنب الظن في إخواننا والظن يأتي غالبا عن طريق الشائعات فيجب على الإنسان أن يحسن الظن، ولا يصدق بكل ما يسمع حتى يتثبت قال تعالى :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [الحجرات: 12]
    قال ابن كثير : يقول تعالى ناهيا عباده المؤمنين عن كثير من الظن، وهو التهمة والتخون للأهل والأقارب والناس في غير محله؛ لأن بعض ذلك يكون إثما محضا، فليجتنب كثير منه احتياطا.[6] فيا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه اجتنبوا كثيرًا من ظن السوء بالمؤمنين، إن بعض ذلك الظن إثم.[7]
    د- أنكر الله سبحانه وتعالى على من نشر كل خبر جاءه دون التثبت ومراجعة أهل الاستنباط بذلك الخبر فقال جل ذكره: " وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا " [النساء: 83] فهذا إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها، فيخبر بها ويفشيها وينشرها، وقد لا يكون لها صحة.[8] ويقول الشيخ السعدي – رحمه الله – كلام رائق حول تفسير هذه الآية :



    هذا تأديب من الله لعباده عن فعلهم هذا غير اللائق. وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة والمصالح العامة ما يتعلق بالأمن وسرور المؤمنين، أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم أن يتثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر، بل يردونه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، أهلِ الرأي والعلم والنصح والعقل والرزانة، الذين يعرفون الأمور ويعرفون المصالح وضدها. فإن رأوا في إذاعته مصلحة ونشاطا للمؤمنين وسرورا لهم وتحرزا من أعدائهم فعلوا ذلك. وإن رأوا أنه ليس فيه مصلحة أو فيه مصلحة ولكن مضرته تزيد على مصلحته، لم يذيعوه، ولهذا قال: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} أي: يستخرجونه بفكرهم وآرائهم السديدة وعلومهم الرشيدة.وفي هذا دليل لقاعدة أدبية وهي أنه إذا حصل بحث في أمر من الأمور ينبغي أن يولَّى مَنْ هو أهل لذلك ويجعل إلى أهله، ولا يتقدم بين أيديهم، فإنه أقرب إلى الصواب وأحرى للسلامة من الخطأ. وفيه النهي عن العجلة والتسرع لنشر الأمور من حين سماعها، والأمر بالتأمل قبل الكلام والنظر فيه، هل هو مصلحة، فيُقْدِم عليه الإنسان؟ أم لا فيحجم عنه؟.[9]

    ر_ أخطر شائعة مرت بالأمة الإسلامية وكادت أن تفتك بها لولا فضل الله ورحمته وهي حادثة الإفك والسبب شائعة صدرت من منافق: قال تعالى :"إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ " [النور: 11]
    فهذه العشر الآيات كلها نزلت في شأن عائشة أم المؤمنين، رضي الله عنها، حين رماها أهل الإفك والبهتان من المنافقين بما قالوه من الكذب البحت والفرية التي غار الله تعالى لها ولنبيه، صلوات الله وسلامه عليه، فأنزل الله عز وجل براءتها صيانة لعرض الرسول، عليه أفضل الصلاة والسلام فقال: {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة} أي: جماعة منكم، يعني: ما هو واحد ولا اثنان بل جماعة، فكان المقدم في هذه اللعنة عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين، فإنه كان يجمعه ويستوشيه، حتى دخل ذلك في أذهان بعض المسلمين، فتكلموا به، وجوزه آخرون منهم، وبقي الأمر كذلك قريبا من شهر، حتى نزل القرآن، وسياق ذلك في الأحاديث الصحيحة[10]. ثم قال الله تعالى في كل من خاض ولاك لسنه هذه الشائعة ووقع فيها {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ} أي: لكل من تكلم في هذه القضية ورمى أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها، بشيء من الفاحشة، نصيب عظيم من العذاب. ثم يبين الله رحمته فقال:{وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} أيها الخائضون في شأن عائشة، بأن قبل توبتكم وإنابتكم إليه في الدنيا، وعفا عنكم لإيمانكم بالنسبة إلى الدار الآخرة {لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ} من قضية الإفك، {عذاب عظيم} . ثم يبيّن الله لنا كيف طارت هذه الشائعة في الناس وهذا هو أسلوب نشر أي شائعة فقال تعالى : {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ } [النور: 15] أي: يرويه بعضكم عن بعض، يقول هذا: سمعته من فلان، وقال فلان كذا، وذكر بعضهم كذا. {وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ}أي: تقولون ما لا تعلمون. {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} أي: تقولون ما تقولون في شأن أم المؤمنين، وتحسبون ذلك يسيرا سهلا ولو لم تكن زوجة النبي صلى الله عليه وسلم لما كان هينا، فكيف وهي زوجة النبي الأمي، خاتم الأنبياء وسيد المرسلين.[11]
    وهذه بعض الأمثلة المشابهة التي كادت أن تفتك بالأمة ففي معركة أحد عندما أشاع الكفار أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قتل، فتّ ذلك في عضد كثير من المسلمين، حتى إن بعضهم ألقى السلاح وترك القتال؟ .وأدت الشائعات الكاذبة ضد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى تجمع أخلاط من المنافقين ودهماء الناس وجهلتهم وأصبحت لهم شوكة، وقتل على إثرها خليفة المسلمين بعد حصاره في بيته وقطع الماء عنه.

    ز- وصف الله الذين يحبون و يسرهم إشاعة الفاحشة في المجتمع بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة ، فقال الله تعالى :{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ } [النور: 19]
    هذا تأديب لمن سمع شيئا من الكلام السيئ، فقام بذهنه منه شيء، وتكلم به، فلا يكثر منه ويشيعه ويذيعه، فقد قال تعالى : {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا} أي: يختارون ظهور الكلام عنهم بالقبيح، {لهم عذاب أليم في الدنيا} أي: بالحد، وفي الآخرة بالعذاب.[12]


    ثانيا ما جاء في السنة النبوية من التحذير من موضوع الشائعات:

    أ- ذم النبي صلى الله عليه وسلم من لم يتثبت في نقل الأخبار: فعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: قِيلَ لَهُ: مَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ فِي زَعَمُوا؟ قَالَ: «بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ» .[13]
    والأصل في زعم أنها تقال في الأمر الذي لا يوقف على حقيقته.[14] و يقال زعموا في حديث لا سند له ولا ثبت فيه وإنما هو شيء يحكى عن الألسن على سبيل البلاغ فذم صلى الله عليه وسلم من الحديث ما كان هذا سبيله وأمر بالثبت فيه والتوثق لما يحكيه من ذلك فلا يرويه حتى يكون معزياً إلى ثبت ومروياً عن ثقة.[15] و أسوأ عادة للرجل أن يتخذ لفظ زعموا مركبا إلى مقاصده فيخبر عن أمر تقليدا من غير تثبت فيخطئ.[16]
    وقال الألباني: وفي الحديث ذم استعمال هذه الكلمة " زعموا " وإن كانت في اللغة قد تأتي بمعنى قال كما هو معلوم ولذلك لم تأت في القرآن إلا في الإخبار عن المذمومين بأشياء مذمومة كانت منهم مثل قوله تعالى: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا} [التغابن: 7] ثم أتبع ذلك بقوله {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ }.[17]

    ب- نهانا النبي صلى عليه وسلم أن نتحدث بكل ما نسمع حتى لا نكون سببا في الشائعات ونشرها: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» [18]
    وكذبا أي تكذيبا. وذلك لأن من حدث بكل ما سمع من غير أن يميز بين ما تقبله العقول مما لا تقبله، أو من يصلح أن يسمع ما يحدث به ممن لا، نسب إلى الكذب.[19]

    ج- النبي صلى الله عليه وسلم يخبرنا بأن الله يكره لنا القيل والقال: فعن المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلاَثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ المَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ ".[20]
    "قيل وقال" أي: حكاية أقاويل الناس وأحاديثهم، والبحث عنها، فيقول: قال فلان كذا، وقيل لفلان كذا.[21]وهو حكاية ما لا يعلم صحته؛ فإن الحاكي يقول: قيل وقال.[22]والمراد في الأحاديث الإشارة إلى كراهة كثرة الكلام لأنها تئول إلى الخطأ قال وإنما كرره للمبالغة في الزجر عنه.[23]والحاصل أنه: الذي يكثر من الحديث عما يقول الناس من غير تثبت، ولا تدبر، ولا تبيّن.[24]

    ثالثا : أقوال السلف:

    أ- عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «بِحَسْبِ الْمَرْءِ مِنَ الْكَذِبِ أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ».[25] لأنه يجب على كل إنسان عاقل ألا يتحدث بكل ما يسمعه ولا ينشره حتى نستطيع نقضى على الشائعة ووأدها في مهدها.

    ب- وعن مالك قال:"اعلم أنه فساد عظيم أن يتكلم الإنسان بكل ما يسمع".[26]

    ج- و عن عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ، يَقُولُ: «لَا يَكُونُ الرَّجُلُ إِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ حَتَّى يُمْسِكَ عَنْ بَعْضِ مَا سَمِعَ».[27]

    ڈ ولا بد أن نعلم أن من ضمن بروتوكولات حكماء صهيون أنهم يقولون: إن الصحافة جميعها بأيدينا إلا صحفاً قليلة غير محتفل بها، وسنستعملها لبث الشائعات حتى تصبح حقائق وسنشغل بها الأميين عما ينفعهم ونجعلهم يجرون وراء الشهوة والمتعة.[28]

    رابعا : كيف نعالج الشائعات؟

    1- يجب على الإنسان المسلم إذا سمع النقيصة في المؤمن ألاَّ يعجل في تصديقها، وقد قرر العلماء رحمهم الله أن الإنسان لو نقل المقالة التي تشتمل على الطعن في الإنسان؛ ولو كان على سبيل الحكاية، فإنه آثم والعياذ بالله. وكذلك لو سمع خبرا من الأخبار فلا ينقل حتى يتثبت أولا، عملا بقول الله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات:6]، ولنا في شائعة طلاق النبي صلى الله عليه وسلم لنسائه عبرة ويذكر هاهنا حديث عمر بن الخطاب المتفق عليه، حين بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق نساءه، فجاءه من منزله حتى دخل المسجد فوجد الناس يقولون ذلك، فلم يصبر حتى استأذن علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفهمه: أطلقت نساءك؟ قال: "لا". فقلت الله أكبر. وذكر الحديث بطوله.
    وعند مسلم: فقلت: أطلقتهن؟ فقال: "لا" فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه. ونزلت هذه الآية: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر.[29]

    2- الكف عن نقل الشائعات وحسن الظن بالآخرين وخاصة إذا كانوا مؤمنين بقوله: {لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ} [النور:12] ،يقول ابن كثير: هلا {إذ سمعتموه} أي: ذلك الكلام، أي: الذي رميت به أم المؤمنين {ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا} أي: قاسوا ذلك الكلام على أنفسهم، فإن كان لا يليق بهم فأم المؤمنين أولى بالبراءة منه بطريق الأولى والأحرى.[30]فهذا يدل على أنه ينبغي للإنسان أن يكف عن الشائعة وألاَّ يعتني بنقلها. وأن يقدم حسن الظن بأخيه المسلم، وهو طلب الدليل الباطني الوجداني،وأن ينزل أخيه المسلم بمنزلته، وهذه هي وحدة الصف الداخلي.

    3- أن يطلب الدليل الخارجي البرهاني الذي علمنا الله إياه وأمرنا به فقال :"لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ".
    4- أن لا يتحدث المسلم بما سمعه ولا ينشره، فإن المسلمين لو لم يتكلموا بمثل هذه الشائعات لماتت في مهدها ولم تجد من يحيها إلا من المنافقين: "ولَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا" .

    5- أن يرد الأمر إلى أولي الأمر، ولا يشيعه بين الناس أبداً، وهذه قاعدة عامة في كل الأخبار المهمة، والتي لها أثرها الواقعي، كما قال تعالى: [وإذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ولَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وإلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إلاَّ قَلِيلاً] [النساء: 83] .

    6- عدم سماع ما يقوله الكذابون، والمنافقون،وأصحاب القلوب المريضة، وعدم الرضا بذلك، كما هو منهج السلف .

    والخلاصة أن الإسلام عالج الشائعات في ثلاث نقاط مهمة وهي :

    أ‌- النقطة الأولى: التثبت
    ب‌- النقطة الثانية: الناقل للإشاعة من الفاسقين.
    ج‌- النقطة الثالثة: التفكر في عواقب الإشاعة.


    [1] معجم اللغة العربية المعاصرة (2/ 1257)

    [2] المعجم الوسيط (1/ 503)

    [3] تفسير الطبري _ جامع البيان ط هجر (21/ 350)، والبيهقي في سننه (9/93) واللفظ له ، وحسنه الشيخ الألباني بشواهده في الصحيحة (3088)

    [4] تفسير ابن كثير ت سلامة (7/ 370)

    [5] تفسير السعدي_ تيسير الكريم الرحمن (ص: 800)

    [6] تفسير ابن كثير ت سلامة (7/ 377)

    [7] التفسير الميسر (1/ 517)

    [8] تفسير ابن كثير ت سلامة (2/ 365)

    [9] تفسير السعدي _ تيسير الكريم الرحمن (ص: 190)

    [10] فضلا انظر إن شئت القصة بأكملها في الصحيحين وغيرهما.

    [11] تفسير ابن كثير ت سلامة (6/19-28)بتصرف يسير.

    [12] تفسير ابن كثير ت سلامة (6/ 29)

    [13] أخرجه ابن المبارك في الزهد (377) و أحمد ط الرسالة (28/ 307) , والبخاري في الأدب المفرد (762) وغيرهم ، وصححه الألباني في الصحيحة (866)

    [14] فتح الباري لابن حجر (10/ 551)

    [15] معالم السنن (4/ 130)

    [16] عون المعبود وحاشية ابن القيم (13/ 214)

    [17] سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (2/ 523)

    [18] صحيح مسلم (1/ 10).

    [19] كشف المشكل من حديث الصحيحين (3/ 550)

    [20] البخاري (1477)ومسلم (593).

    [21] شرح السنة للبغوي (1/ 203)

    [22] كشف المشكل من حديث الصحيحين (4/ 102)

    [23] فتح الباري لابن حجر (10/ 407)

    [24] تفسير ابن كثير ت سلامة (2/ 366)

    [25] صحيح مسلم (1/ 11)

    [26] سير أعلام النبلاء ط الرسالة (8/ 66)

    [27] صحيح مسلم (1/ 11)

    [28] الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة (1/ 523)

    [29] تفسير ابن كثير ت سلامة (2/ 366)

    [30] تفسير ابن كثير ت سلامة (6/ 27)


    مسجد التوحيد


    التعديل الأخير تم بواسطة cbechir ; 17-11-16 الساعة 02:20 PM

  2. #92

    • Online
    • Super Moderator



    تاريخ التسجيل
    Jul 2013
    المشاركات
    2,806
    شكراً
    60
    شكر 105 مرات في 92 مشاركات
    الاحتفال برأس السنة الميلادية
    الخطبة الاولى

    الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد ففي كل عام مثل هذا الوقت تنشط وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة في كثير من الدول الإسلامية فضلا عن غيرها لنشر برامج احتفالات رأس السنة الميلادية ودعوة الناس للمشاركة فيها وتخصيص أماكن معينة للاحتفالات وتُزين الشوارع والأماكن العامة والخاصة بأنواع كثيرة ومتنوعة من أشكال الزينة مما يوجب على العلماء وطلبة العلم بيان حكم ذلك شرعا لذا فقد جمعت ما تيسر من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وأقوال أهل العلم ورتبتها مع إضافات يسيرة فأقول مستعينا بالله تعالى :

    أولاً: مما يعلم من الدين بالضرورة أن الله تعالى قد أكمل لنا الدين وأتم الرسالة قال تعالى ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً)(المائدة:3) ولا دين حق الآن غير الإسلام الذي بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم قال تعالى ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (آل عمران:19) وقال تعالى( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران:85) قال الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى :" يعني بذلك جلّ ثناؤه: ومن يطلب دينا غير دين الإسلام لـيدين به، فلن يقبل الله منه، ( وَهُوَ فِى ظ±لآخِرَةِ مِنَ ظ±لْخَـظ°سِرِينَ ) يقول: من البـاخسين أنفسهم حظوظها من رحمة الله عزّ وجلّ. وذُكر أن أهل كل ملة ادّعوا أنهم هم الـمسلـمون لـما نزلت هذه الآية، فأمرهم الله بـالـحجّ إن كانوا صادقـين، لأن من سنة الإسلام الـحجّ، فـامتنعوا، فأدحض الله بذلك حجتهم " ا.هـ التفسير 3/241

    وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى : " وقوله تعالى ( إِنَّ ظ±لدِّينَ عِندَ ظ±للَّهِ ظ±لإسْلَـظ°مُ ) إخبار منه تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام، وهو اتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين حتى خُتموا بمحمد صلى الله عليه وسلّم الذي سد جميع الطرق إليه إلا من جهة محمد صلى الله عليه وسلّم، فمن لقي الله بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلّم بدين على غير شريعته فليس بمتقبل، كما قال تعالى: ( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ظ±لإسْلَـظ°مِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ ) " ا.هـ التفسير 2/19

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: ( تجيء الأعمال يوم القيامة، فتجيء الصلاة فتقول: يا رب أنا الصلاة، فيقول: إنك على خير، فتجيء الصدقة فتقول: يا رب أنا الصدقة فيقول: إنك على خير، ثم يجيء الصيام، فيقول: أي يا رب أنا الصيام، فيقول: إنك على خير، ثم تجيء الأعمال على ذلك فيقول الله عز وجلّ: إنك على خير، ثم يجيء الإسلام فيقول: يا رب أنت السلام وأنا الإسلام، فيقول الله عز وجلّ: إنك على خير بك اليوم آخذ وبك أعطي، فقال الله عز وجلّ في كتابه: ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) رواه أحمد (8678) وأبو يعلى (6236) قال الهيثمي :" وفيه: عباد بن راشد، وثقه أبو حاتم وغيره، وضعفه جماعة، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح " ا.هـ مجمع الزوائد 10/624 قال ابن القيم رحمه الله تعالى : " فالإسلام دين أهل السموات ودين أهل التوحيد من أهل الأرض لا يقبل الله من أحد دينا سواه فأديان أهل الأرض ستة واحد للرحمن وخمسة للشيطان فدين الرحمن هو الإسلام والتي للشيطان اليهودية والنصرانية والمجوسية والصابئة ودين المشركين "ا.هـ مدارج السالكين

    وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم معنى الإسلام بيانا شافيا فعن أبي هُرَيرةَ رضي الله عنه قال: كانَ النبي صلى الله عليه وسلّم بارِزاً يَوْماً للناسِ، فأتاهُ رَجُلٌ فقالَ: ما الإِيمانُ؟ قال: الإِيمانُ أنْ تُؤْمِنَ باللَّهِ، ومَلاَئِكتِهِ، وبِلقائه، وَرُسُلِهِ، وتُؤْمِنَ بالبَعْثِ. قال: ما الإِسلامُ؟ قال: الإِسْلامُ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ ولا تُشْرِكَ بهِ، وَتُقِيمَ الصلاةَ، وَتُؤَدّيَ الزكاةَ المَفْروضةَ، وتَصومَ رَمضانَ. قال: ما الإِحسانُ؟ قال: أنْ تَعْبُدَ اللَّهِ كأَنكَ تَراهُ، فإنْ لم تَكُنْ تَراهُ فإِنهُ يراك. قال: مَتى الساعةُ ؟ قال: ما المسؤولُ عنها بأعلمَ مِنَ السائل. وسأُخبِرُكَ عنْ أشَراطها: إِذا وَلَدَت الأَمَةُ رَبها؛ وإِذَا تَطاوَلَ رُعاةُ الإِبلِ البُهْمِ في البُنْيانِ، في خَمْس لا يَعْلَمُهنَّ إلاَّ اللَّهُ. ثمَّ تَلا النبي صلى الله عليه وسلّم: ( إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلمُ السَاعةِ) الآية. ثمَ أدْبَرَ. فقال رُدوهُ. فلم يَرَوا شَيئاً. فقال: هذا جِبْريلُ جاءَ يُعَلِّمُ الناسَ دِينَهُم " رواه البخاري ( 50)

    و عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قال : قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: ( بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ. شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ الله، وَأَنَّ مُحَمدا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. وَإِقَامِ الصلاَةِ. وَإِيتَاءِ الزكاةِ. وَحَجِّ الْبَيْتِ. وَصَوْمِ رَمَضَانَ ) رواه البخاري(8) ومسلم (79) وهذا الأمر شامل جميع الأمم من أهل الكتاب وغيرهم فمن لم يؤمن به عليه الصلاة والسلام ويتبعه فهو من أهل هذه الآية ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ) (البينة:6) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم أَنهُ قَالَ: ( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمدٍ بِيَدِهِ لاَ يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هذِهِ الأُمةِ يَهُودِي وَلاَ نَصْرَانِي ، ثُم يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ ، إِلاَّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النارِ ) رواه مسلم (341) .

    ثانيا : أن مما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم أن أقواما من أمته ستقلد أهل الكتاب فيما يفعلونه فعن أبي سعيدٍ رضيَ اللهُ عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلّم قال لتتّبِعُن سَنَنَ من كان قبلَكم شِبراً بشِبرٍ وذِراعاً بذِراع، حتّى لو سَلَكوا جُحرَ ضَبٍّ لَسَلكتُموهُ. قلنا: يارسولَ الله، اليهودَ والنصارَى ؟ قال: فمَن ) رواه البخاري ( 3381) ومسلم (6732) ورواه الحاكم (8454)وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما وفي آخره: ( وحتى لو أن أحدهم جامع امرأته بالطريق لفعلتموه ) قال المناوي : إسناده صحيح .تحفة الأحوذي 6/342 قال ابن تيمية رحمه الله تعالى :" هذا خرج مخرج الخبر عن وقوع ذلك والذم لمن يفعله كما كان يخبر عما يفعل الناس بين يدي الساعة من الأشراط والأمور المحرمة " ا.هـ فيض القدير 5/262
    قال الإمام النووي رحمه الله تعالى : " والمراد بالشبر والذراع وجحر الضب التمثيل بشدة الموافقة لهم، والمراد الموافقة في المعاصي والمخالفات لا في الكفر، وفي هذا معجزة ظاهرة لرسول الله صلى الله عليه وسلّم فقد وقع ما أخبر به صلى الله عليه وسلّم "ا.هـ شرح صحيح مسلم 16/189تحفة الأحوذي 6/342
    قال ابن كثير رحمه الله تعالى : " والمقصود من هذه الأخبار عما يقع من الأقوال والأفعال المنهي عنها شرعا مما يشابه أهل الكتاب قبلنا أن الله ورسوله ينهيان عن مشابهتهم في أقوالهم وأفعالهم حتى لو كان قصد المؤمن خيرا لكنه تشبه ففعله في الظاهر فعلهم "ا.هـ البداية والنهاية 2/142
    قال المناوي رحمه الله تعالى : " وذا من معجزاته فقد اتبع كثير من أمته سنن فارس في شيمهم ومراكبهم وملابسهم وإقامة شعارهم في الحروب وغيرها وأهل الكتابين في زخرفة المساجد وتعظيم القبور حتى كاد أن يعبدها العوام وقبول الرشا وإقامة الحدود على الضعفاء دون الأقوياء وترك العمل يوم الجمعة " ا.هـ فيض القدير 5/262
    قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى : " ووقع في حديث عبدالله بن عمرو عند الشافعي بسند صحيح «لتركبن سنة من كان قبلكم حلوها ومرها» " ا.هـ فتح الباري 15/235
    وهذا التقليد قد بلغ مبلغا عظيما هذه الأزمنة بسبب التقدم التقني الذي أحرزه الغرب مما فتن كثيرا من المسلمين بهم وساعد في نشر ذلك سهولة نقل هذه الأمور من أقصى الغرب إلى جميع بلاد المسلمين في ثوان معدودة عبر وسائل الإعلام المتنوعة المرئية والمسموعة والشبكة العنكبوتية فالعالم اليوم أصبح بيتا واحدا وهذه الاحتفالات التي تحصل في مدن العالم يراها المسلم لحظة بلحظة ويتنقل من مدينة إلى أخرى كلمح بالبصر والله المستعان وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قال ( ويل للعرب من شر قد اقترب، فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، يبيع قوم دينهم بعرض من الدنيا قليل، المتمسك يومئذٍ بدينه كالقابض على الجمر، أو قال : على الشوك ) رواه أحمد (8982) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال الحسن بعد روايته للحديث : فواللّه لقد رأيناهم صوراً بلا عقول وأجساماً بلا أحلام فراشُ نارٍ وذبابُ طمعٍ يغدون بدرهمين ويروحون بدرهمين يبيع أحدهم دينه بثمن العنز . رواه عنه أحمد (18060) والحاكم (6317)

    ثالثا : لابد أن نعلم أن الأعياد في الإسلام عبادة من العبادات التي نتقرب بها إلى الله تعالى وأعياد المسلمين معروفة معلومة ثلاثة لا رابع لها عيد الجمعة وعيد الفطر وعيد الأضحى فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: ( إن يوم الجمعة يومُ عيد، فلا تجعلوا يومَ عيدكم يومَ صيامكم، إلاَّ أن تصوموا قبلَه أو بعدَه ) رواه أحمد (7983) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (2512) وابن خزيمة (2155) وصححه الحاكم (1630). وعن أنَسٍ رضي الله عنه ، قال: « قَدِمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم المَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلعَبُونَ فيهِمَا فقال: ( مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ )؟ قالُوا: كُنا نَلْعَبُ فِيهِمَا في الْجَاهِليةِ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم: ( إنَّ الله قَدْ أبْدَلَكُم بِهِمَا خَيْراً مِنْهُمَا: يَوْمَ الأضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْرِ ) رواه أحمد (11750) وأبو داود (1135) والحاكم (1124) وقال : هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه . وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى : " أخرجه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح " ا.هـ البلوغ /93 فتح الباري 3/113 قال المجد ابن تيمية رحمه الله تعالى : الحديث يفيد حرمة التشبه بهم في أعيادهم لأنه لم يقرهما على العيدين الجاهليين ولا تركهم يلعبون فيهما على العادة وقال أبدلكم والإبدال يقتضي ترك المبدل منه إذ لا يجتمع بين البدل أو المبدل منه ولهذا لا تستعمل هذه العبارة إلا في ترك اجتماعهما ا.هـ فيض القدير 4/511 .

    رابعا : لنعلم أن مخالفة المشركين وأهل الكتاب مأمور به في شرعنا فعن أبي هُريرة رضي الله عنه قال: قال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ( غَيِّروا الشَّيْبَ، ولا تَشَبهوا باليَهُودِ والنصَارَى ) رواه أحمد (8611) وأبو يعلى (5981) واللفظ لهما والترمذي ( 1753) وقال "حسن صحيح "وصححه ابن حبان (5376) وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: ( خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ. أَحْفُوا الشوَارِبَ وَأَوْفُوا اللِّحَى ) رواه مسلم (555) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: ) جُزُّوا الشَّوَارِبَ وَأَرْخُوا اللِّحَى. خَالِفُوا الْمَجُوسَ ) رواه مسلم (556) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى : " وقد كان صلى الله عليه وسلّم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء ولاسيما إذا كان فيما يخالف فيه أهل الأوثان، فلما فتحت مكة واشتهر أمر الإسلام أحب مخالفة أهل الكتاب أيضاً كما ثبت في الصحيح " ا.هـ فتح الباري 4/771 تحفة الأحوذي 3/397 وقال ابن تيمية رحمه الله تعالى : " وقد دل الكتاب، وجاءت سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلّم وسنّة خلفائه الراشدين التي أجمع أهل العلم عليها بمخالفتهم وترك التشبه بهم " ا.هـ الفتاوى 25/327 أما من تشبه بهم في أعيادهم وغيرها فهو على خطر عظيم فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من تَشَبَّه بقومٍ فهو منهم ) رواه أحمد (5106) وأبو داود (3040) وصححه ابن حبان قال ابن تيمية رحمه الله تعالى : " هذا إسناد جيد " ا.هـ اقتضاء الصراط المستقيم 1/240 قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى : أخرجه أبو داود بسند حسن . فتح الباري 11/443 قال ابن تيمية رحمه الله تعالى : " أقلُّ أحوالِهِ أنْ يقتضي تحريمَ التشبه. وإنْ كانَ ظاهرُهُ يقتضي كفرَ المتشبِّهِ بهمْ " ا.هـ الفروع 1/348 كشاف القناع 1/236 شرح منتهى الإرادات 1/149 وقال ابن القيم رحمه الله تعالى : " وسر ذلك أن المشابهة في الـهَدْي الظاهِرِ ذريعةٌ إلى الموافقة في القصد والعمل " ا.هـ إعلام الموقعين 2/107 وقال رحمه الله تعالى : " ونهى عن التشبه بأهل الكتاب وغيرهم من الكفار في مواضع كثيرة، لأن المشابهة الظاهرة ذريعة إلى الموافقة الباطنة فإنه إذا أشبه الهدى الهدى أشبه القلب القلب " ا.هـ إغاثة اللهفان وقال الصنعاني رحمه الله تعالى : " والحديث دال على أن من تشبه بالفساق كان منهم أو بالكفار أو المبتدعة في أي شيء مما يختصون به من ملبوس أو مركوب أو هيئة، قالوا: فإذا تشبه بالكفار في زي واعتقد أن يكون بذلك مثله كفر فإن لم يعتقد ففيه خلاف بين الفقهاء منهم من قال: يكفر وهو ظاهر الحديث ومنهم من قال: لا يكفر ولكن يؤدب " ا.هـ سبل السلام /2018 وقال ابن تيمية رحمه الله تعالى : " فإِذا كان هذا في التشبه بهم وإن كان في العادات فكيف التشبه بهم فيما هو أبلغ من ذلك؟ وقد كره جمهور الأئمة إما كراهة تحريم أو كراهة تنزيه أكل ما ذبحوه لأعيادهم وقرابينهم إدخالاً له فيما أهلَّ به لغير الله وما ذبح على النصُبِ، وكذلك نهوا عن معاونتهم على أعيادهم بإهداء أو مبايعة وقالوا: إنه لا يحل للمسلمين أن يبيعوا للنصارى شيئاً من مصلحة عيدهم لا لحماً، ولا أدماً، ولا ثوباً، ولا يعارون دابة ولا يعاونون على شيء من دينهم لأن ذلك من تعظيم شركهم وعونهم على كفرهم " ا.هـ الفتاوى 25/331 وقال ابن كثير رحمه الله تعالى : " فليس للمسلم أن يتشبه بهم لا في أعيادهم ولا مواسمهم ولا في عباداتهم لأن الله تعالى شرف هذه الأمة بخاتم الأنبياء الذي شرع له الدين العظيم القويم الشامل الكامل الذي لو كان موسى بن عمران الذي أنزلت عليه التوراة وعيسى بن مريم الذي أنزل عليه الإنجيل حيين لم يكن لهما شرع متبع بل لو كانا موجودين بل وكل الأنبياء لما ساغ لواحد منهم أن يكون على غير هذه الشريعة المطهرة المشرفة المكرمة المعظمة فإذا كان الله تعالى قد مَنَّ علينا بأن جعلنا من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم فكيف يليق بنا أن نتشبه بقوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل قد بدلوا دينهم وحرفوه وأولوه حتى صار كأنه غير ما شرع لهم أولا ثم هو بعد ذلك كله منسوخ والتمسك بالمنسوخ حرام لا يقبل الله منه قليلا ولا كثيرا ولا فرق بينه وبين الذي لم يشرع بالكلية والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم " ا.هـ البداية والنهاية 2/142

    خامسا : الواجب علينا تجاه ما ذكرته أعلاه :
    1/ أن يكون اليوم الأول من أيام السنة الميلادية وليلته كسائر أيام العام فلا نظهر فيه أي مظهر من مظاهر الاحتفال .

    2/ أن يتفقد كل واحد منا أهله وأولاده خشية الوقوع في شيء من ذلك بسبب صحبة حثته عليه أو قناة دعته إليه أو حب استطلاع أو تقليد فعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنِ النبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنهُ قَالَ: ( أَلاَ كُلُّكُمْ رَاعٍ. وَكُلُّكُمْ مَسْوولٌ عَنْ رَعِيتِهِ. فَالأَمِيرُ الَّذِي عَلَى الناسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْوولٌ عَنْ رَعِيتِهِ. وَالرجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْوولٌ عَنْهُمْ. وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْوولَةٌ عَنْهُمْ. وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُ. أَلاَ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ. وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ) رواه البخاري (882) ومسلم (4680) قال المناوي رحمه الله تعالى : " يعني كلكم مستلزم بحفظ ما يطالب به من العدل إن كان والياً ومن عدم الخيانة إن كان مولياً عليه (وكل) راع (مسؤول عن رعيته) في الآخرة فكل من كان تحت نظره شيء فهو مطلوب بالعدل فيه والقيام بمصالحه في دينه ودنياه ومتعلقات ذلك فإن وفي ما عليه من الرعاية حصل لـه الحظ الأوفر والجزاء الأكبر وإلا طالبه كل أحد من رعيته بحقه في الآخرة " ا.هـ فيض القدير 5/38.

    3/ أن لا نتبادل التهاني والهدايا بهذه المناسبة لا مع المسلمين ولا مع غيرهم ممن يحتفل بها خاصة ليلة مولد المسيح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام قال ابن القيم رحمه الله تعالى " وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم، فيقول: عيد مبارك عليك، أو تهنأ بهذا العيد ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثماً عند الله، وأشد مقتاً من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحوه. وكثير ممَن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك، ولا يدري قبح ما فعل، فمن هنأ عبداً بمعصية أو بدعة أو كفر فقد تعرض لمقت اللّه وسخطه، وقد كان أهل الورع من أهل العلم يتجنبون تهنئة الظلمة بالولايات، وتهنئة الجهال بمنصب القضاء والتدريس والإفتاء تجنباً لمقت الله وسقوطهم من عينه وإن بُلي الرجل بذلك فتعاطاه دفعاً لشر يتوقعه منهم فمشى إليهم ولم يقل إلا خيراً، ودعا لهم بالتوفيق والتسديد فلا بأس بذلك، وبالله التوفيق " ا.هـ أحكام أهل الذمة 1/441

    4/ لا يجوز تعطيل الأعمال ذلك اليوم لا الدراسة ولا العمل الرسمي و الخاص .

    5/ عدم الاتصال على البرامج المباشرة عبر القنوات الفضائية والإذاعية وإهداء الأغاني والتحيات وغيرها إلا من يتصل عليها على وجه الإنكار فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صلى اله عليه وسلم يَقُولُ: ( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ. فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ. فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ. وَذلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ ) رواه مسلم (140).

    6/ على تجار المسلمين أن يتقوا الله تعالى وأن لا يبيعوا شيئا مما يُعين على إظهار هذه الشعيرة قال ابن الحاج رحمه الله تعالى : " لا يحل لمسلم أن يبيع نصرانياً شيئاً من مصلحة عيده لا لحماً ولا أدماً ولا ثوباً ولا يعارون شيئاً ولو دابة إذ هو معاونة لهم على كفرهم وعلى ولاة الأمر منع المسلمين من ذلك " ا.هـ فتاوى ابن حجر الهيتمي 4/238

    اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين اللهم أحينا مسلمين وتوفنا مسلمين واحشرنا في زمرة سيد المرسلين محمد خاتم النبيين والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
    د. نايف بن أحمد الحمد

    التعديل الأخير تم بواسطة cbechir ; 30-12-16 الساعة 10:32 AM

  3. #93

    • Online
    • Super Moderator



    تاريخ التسجيل
    Jul 2013
    المشاركات
    2,806
    شكراً
    60
    شكر 105 مرات في 92 مشاركات
    أجهزة التواصل الاجتماعي ظواهر مؤذية، ومظاهر مؤلمة


    الخطبة الأولى

    أَمَّا بَعْدَ:
    فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ؛ فَإِنَّ أَعْمَالَكُمْ مُحْصَاةٌ عَلَيكُمْ، وَإِنَّكُمْ تُسْأَلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا قُلْتُمْ وَمَا عَمِلْتُمْ: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [يَسِ: 65].
    عباد الله، كَانَ الْعُلَمَاءُ وَالْوُعَاظُ يُحَذِّرِونَ مِنْ فَلَتَاتِ اللِّسَانِ وَآفَاتِهِ ولا زالوا؛ وذلك لعظيم خطره، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَهَلْ يُكِبُّ النَّاسَ عَلَى وُجُوهِهِمْ فِي النَّارِ إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟!» [صحيح ابن ماجه:3224]، وَقَوْلَهُ عَلَيهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلامُ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ، يَنْزِلُ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ» [صحيح مسلم:2988]. والْيَوْمُ صار كثير مِنْ الْبَيَانِ قَدْ تَحَوَّلَ مِنْ اللِّسَانِ إِلَى الأَصَابِعِ، فَصَارَتْ أَصَابِعُ بَعْضِ النَّاسِ تَتَحَدَّثُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْسِنَتِهِمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ تَعَالَى عَلَى الْبَشَرِ مِنْ عُلُومِ الاِتِّصَالِ وَالتَّوَاصُلِ الاِجْتِمَاعِيِّ.إِنَّهَا ثَوْرَةٌ فِي التَّوَاصُلِ قَدْ غَيَّرَتِ في الأَخْلاقَ وَالسُّلُوكَ وَأَنْمَاطَ التَّعَامُلِ بَيْنَ النَّاسِ، حَتَّى إن الْبُيُوتَ الْحَيَّةَ بِحَدِيثِ أَهْلِهَا صَمَتَتْ كَأَنَّهَا خَالِيَةٌ مِنْهُمْ، وَمُنْتَدَيَاتُ النَّاسِ لِلْحَدِيثِ والمُؤَانَسَةِ اِتَّخَذَ بعض النَّاسُ بَدَلا عَنْهَا مَقَاهٍ مُظْلِمَةٍ كَأَنَّهَا مَقَابِرُ، وَحَينَما كَانَتِ الضَّوْضَاءُ تَخْرُجُ مِنْ بُيُوتِ الأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ فِي آخِرِ الأُسْبُوعِ حَيْثُ اِجْتِمَاعُ الأَوْلاَدِ وَالأَحْفَادِ ذَهَبَتْ الْحَيَوِيَّةُ وَالنَّشَاطُ وَالأُنْسُ؛ فَيَأْتِي كلُ وَاحْدٍ مِنْهُمْ يَتَأَبَّطُ جِهَازَهُ فَيُسَلِّمُونَ عَلَى بَعْضٍ ثُمَّ يَتَّخِذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زاوِيَةً مِنَ البيت ؛ ليَعِيشُ بِجَسَدِهِ مَعَ الأسرة، وَأَمَّا رُوْحُهُ وَعَقْلُهُ فَمَعَ مَنْ يُحَادِثُ فِي جِهَازِهِ، حَتَّى إِنَّهُ لِيُكَلَّمُ فَلا يَسْمَعُ، وَيُسْأَلُ فَلا يُجِيبُ، وَربما لا يَتَحَرَّكُ مِنْ مَكَانِهِ الساعات. فَهُوَ سَادِرٌ فِي جِهَازِهِ.إِنَّ الانشغال بهذه الأجهزة أَدَّى في بعض الأحيان إِلَى عدم احترام الجليس كبيرًا كان أو والدًا أو والدة، وربما أدى الانشغال بهذه الأجهزة إلى عدم حديث الأسرة مع بعضها وإدخال السرور على بعضهم. وَلَوْ أَنَّ المشتغل بهذه الأجهزة أَشْرَكَ أُمَّهُ أوَ أَبَاهُ أو أسرته فِيمَا يَرَى وَيَقْرَأُ لَسَرَّهم ذَلِكَ. وَالمشكلة تزيد إذا عُلم أن المنشغل بهذه الأجهزة رُبَّما يُشَاهِدُ أوَ يكتب أو يقرأ ما لا يَسُرُّ وَلا يَنْفَعُ بَلْ يَضُرُّ وَيُحْزِنُ. وَمِنْ سُوءِ أَدَبِ المَجَالِسِ أَنْ يُشْغَلَ الْجَلِيسُ عَنْ جَلِيسِهِ بِمُحَادَثَةٍ أَوْ نَحْوِهَا، فَيَتْرُكَ آدَمِيًا أَمَامَهُ وبجواره وَيُقْبِلُ عَلَى البعيد عنه، إِلا أَنْ يَسْتَأْذِنَهُ لأَمْرٍ لا يَحْتَمِلُ التَّأْخِيرَ.أيها الإخوة، إِنَّ هذه الوسائل قَرَّبَتِ الرِّجَالَ مِنْ النِّساءِ، وَالشَّبَابَ مِنْ الْفَتَيَّاتِ، فَأَوْقَعَتْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْبُيُوتِ الرِّيَبَ وَالشُّكُوكَ، وَأَوْصْلَتْ بعضَ الأَزْوَاجِ وَالزَّوْجَاتِ عَتَبَةَ الطَّلاَقِ بَعْدَ الْخِصَامِ وَالشِّقَاقِ. وأيضًا أوصلت كثير من الشباب والفتيات إلى الانحراف بدرجاته وأنواعها المختلفة. وَكَمْ مِنْ فَتَاةٍ غُرِّرَ بِهَا عَنْ طَرِيقِهَا وَهِي لا تَعْرِفُ لِلْشَرِّ طَرِيقًا، وَلَيْسَ فِي قَلْبِهَا أَيُّ رِيبَةٍ؛ وَلَكِنْ صَدَقَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِاِمْرَأَةٍ إلا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ» [سنن الترمذي:2165]، وَقَدْ هَيَّأَتْ بَرامِجُ التَّوَاصُلِ خَلْوَةً –بطريقة جديدة- بَيْنَ الْجِنْسَيْنِ لِلْحَدِيثِ وَالمُؤَانَسَةِ وَالمُضِيِّ سَاعَاتٍ طِوَالٍ فِي أَحْلامٍ، وَسَهَرَ لَيَالٍ عَلَى أَوْهَامٍ؛ مع مكرٍ كُبّارٍ بجميل الكلام ووعود الخداع.أيها الإخوة من مخاطر هذه الأجهزة أن يأتي المشتغل بها ليَخْلُدَ إِلَى فِرَاشِهِ وَهُوَ مُتْعَبٌ يُغَالِبُهُ النَّوْمُ، وَلَرُبَّما تَكَاسَلَ عَنِ الْوُضُوءِ وَالوِتْرِ مِنْ شِدَّةِ تَعَبِهِ وَغَلَبَةِ نَومِهِ، فَيُطِّلُ طَلَّةً أَخِيرَةً عَلَى جِهَازِهِ قَبْلَ النَّوْمِ فَيَرَى مُحَادَثَةً فَيَرُدُّ عَلَى صَاحِبِهَا، وَيَظَلُّ يُحَادِثُهُ الساعات وَلَمْ يَشْعُرْ بِتَعَبِهِ وَنَوْمِهِ، وَقَدْ بَخِلَ عَلَى رَبِّهِ بل على نفسه بِرَكْعَةٍ أَوْ ثَلاثِ رَكَعَاتٍ. وَربما حين يَصْحُو من نومه تكون أَوَّلَ حَرَكَةٍ يَقُومُ بِهَا أَنْ يَلْتَقِطَ جِهَازَهُ لِيَنْظُرَ مَنْ حَادَثَهُ أَثْنَاءَ نَوْمِهِ. فهذا إدمان يؤثر على ديانة الشخص؛ بل حتى على دنياه.بَلْ إِنَّ وَسَائِلَ التَّوَاصُلِ الْحَديثَةِ قَدْ فَتَنَتِ النَّاسَ فِي عِبَادَاتِهِمْ؛ فَكَثِيرٌ مِنْ الحجاج والمعتمرين والمُعْتَكَفِينَ تَمْضِي كثير من أَوْقَاتِهِمْ فِي المُحَادَثَاتِ؛ فتشغلهم عن الْقُرْآنِ وَالصَّلاَةِ والدعاء والذكر فِي مَوَاطِنِهِ الْفَاضِلَةِ. وَمِنَ النَّاسِ مِنْ يُسَلِّمُ مِنَ الصَّلاَةِ فَلا يَقُولُ الأَذْكَارَ إِلا وَهُوَ يَلْتَقِطُ جِهَازَهُ لِيَنْظُرَ مَنْ حَادَثَهُ أَثْنَاءَ صَلاتِهِ، وَكَمْ مِنْ قَارِئٍ لِلْقُرْآنِ أَمْسَكَ عَنِ قِرَاءَته وَاَشْتَغَلَ بهذه الأجهزة. والبعض لا يهتم في وضع جهازه المحمول على الصامت وقت الصلاة ليتنبه إن جاءه اتصال أو رسالة أثناء الصلاة، أو ربما بسبب عدم مبالاته بما قد يحصل منه من إزعاج للمصلين، حتى إنك لتتألم من أصوات هذه الأجهزة في هذه المساجد، وهذا مخالف لآداب المساجد. أيها الإخوة الكرام، إنه بِسَبَبِ الإِدْمَانِ عَلَى هَذِهِ الأَجْهِزَةِ، وَمَا فِيهَا مِنْ سَيلٍ مُتَدَفِّقٍ مِنَ المُعْلُومَاتِ وَالأَخْبَارِ وَالصُّورِ وَالمَقَاطِعِ أُعِيدَ تَشْكِيلُ عَقْلِيَّاتِ الشَّبَابِ وَالْفَتَيَاتِ بَعِيدًا عَنْ والِدِيهِمْ وَأُسَرِهِمْ وَمُعَلِمِيهِمْ، فَغَلَبَ عَلَى هَذِهِ الْعَقْلِيَّاتِ التَّمَرُّدُ وَالتَّفَرُّدُ، وَالاِنْعِزَالِيَّةُ وَالاِنْطِوَاءُ، وَتَثَاقُلُ الْجُلُوسِ مَعَ الأُسْرَةِ، وَالسَّخَطُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى غَدَا إِرْضَاءُ الْوَالِدِينَ لأَوْلاَدِهِمْ مِنْ أَعْسَرِ المُهِمَّاتِ رَغْمَ مَا يَغْمُرُونَهُمْ بِهِ مِنَ المَالِ وَالْهَدَايَا وَالْهِبَاتِ.وَبسبب وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الاِجْتِمَاعِيِّ نتجت أَخْلاقٌ لَيْسَتْ سَوِيَّةً، وَمُمَارَسَاتٌ غَيْرُ مَرْضِيَّةٍ، كنَشْرِ الأَكَاذِيبِ، وَبَثَّ الأَرَاجِيفِ، وَاِتِّهَامِ الأَبْرِيَاءِ، وَقَلْبِ الْحَقَائِقِ. يَكْذِبُ فِي خَبَرٍ – وربما ينسبه إلى الدين وإلى الرسول صلى الله عليه وسلم- فَتَبْلَغُ كَذْبَتُهُ الآفَاقَ فِي ثَوَانٍ مَعْدُودَةٍ، وَقَدْ جَاءَ فِي حَديثِ الرُّؤْيَا أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلامُ: «مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيه بِكَلُّوبٍ مِنْ حَديدٍ، وَإِذَا هُوَ يَأْتِي أَحَدَ شِقَّي وَجْهِهِ فَيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إِلَى قَفَاَهُ، وَمَنْخِرَهُ إِلَى قَفَاَهُ، وَعَيْنَه إِلَى قَفَاَهُ... قَالَ: ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الْجَانِبِ الآخَرِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالْجَانِبِ الأَوَّلِ، فَمَا يَفْرُغُ مِنْ ذَلِكَ الْجَانِبِ حَتَّى يَصِحَّ ذَلِكَ الْجَانِبُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيهِ فَيَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْمرَّةَ الأوْلَى .. »، وَقَدْ فُسِّرَ فِي الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ (الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ، فَيَكْذِبُ الْكَذْبَةَ تَبْلُغُ الآفاقَ) [صحيح البخاري:7047].جعلنا الله من الصادقين، وأعاذنا من الكذب وشر الكاذبين، أقول ما سمعتم وأستغفر الله ....

    الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

    عباد الله،
    من مصائب الاستخدامات السيئة لهذه الوسائل نشر المحرمات المرئية والمسموعة وينسى عظيم الإثم في نشرها، فإن عليه من الآثام بعدد من سمعها أو رآها . قال صلى الله عليه وسلم: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا» [صحيح مسلم:2674].
    ويزداد الإثم ويعظم إذا كان فيه نشر للفواحش، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النور:19]. الآية وعيد فيمن يجب نشر الفاحشة فكيف من يباشر نشرها، بل بوسائل سريعة النشر والانتشار.فيَجِبُ عَدَمُ الاِسْتِهانَةِ بِهَذه الوسائل؛ فَإِنَّهَا مَوْرِدُ بَحْرٍ مِنَ الأَوْزَارِ وَالآثَامِ إِنِ اِسْتُخْدِمَتَ فِي الشَّرِّ. كَمَا أَنَّهَا مَجَالٌ رَحْبٌ وعظيم لِكَسْبِ الْحَسَنَاتِ إِنِ اِسْتُخْدِمَتْ فِي الْخَيْرِ، وَلَمْ تُضَيَّعْ بِسَبَبِهَا الْوَاجِبَاتُ: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللهُ وَنَسُوهُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد} [الْمُجَادَلَةَ: 6]. {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} [الزُّخْرُفَ: 80].
    إخوة الإيمان، إِنَّه لا غِنَى لِمُوَاجَهَةِ هَذِهِ الْفِتْنَةِ بزَرْعِ مُرَاقَبَةِ الله تَعَالَى وَمَحَبَّتِهِ وَتَعْظِيمِهِ، وَالْخَوْفِ مِنْهُ، وَرَجاءِ مَا عِنْدَهُ فِي نُفُوسِ الأَبْنَاءِ وَالْبَنَاتِ وَالزَّوْجَاتِ وَالإِخْوَانِ والأَخَوَاتِ، وَتَعَاهُدِهِمْ بِالمَوْعِظَةِ وَالتَّذْكِيرِ بَيْنَ حِينٍ وَآخَرَ، وَبِأَسَالِيبَ مُتَنَوِّعَةٍ مُشَوِّقَةٍ، حَتَّى يُرَاقِبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نَفْسَهُ، وَيَخَافَ اللهَ تَعَالَى أَنْ يُقَارِفَ إِثْمًا، وَتَوْجِيهِهِمْ إِلَى اِسْتِخْدَامِ هذه الوسائل فِيمَا يَنْفَعُ وَلا يَضُرُّ، مَعَ مِلْءِ أَوْقَاتِهِمْ بِمَا يَنْفَعُهُمْ وَيَحُدُّ مِنْ عُكُوفِهِمْ عَلَيها. ومحاربة الانزواء والانطواء بهذه الأجهزة.وتوجيههم باستخدام هذه الوسائل بما يناسب وقتًا ونوعًا. وعدم قضاء الأوقات الطويلة معها، وعد الاشتغال بما لا فائدة منه فيها؛ واستغلالها فيما ينفع، والحذر من أضرارها. ودعاء الله قبل ذلك أن يحفظنا ومن تحت أيدينا من شرور هذه الوسائل.اللهم أرنا الحق حقًا؛ وارزقنا اتباعه ....
    طريق الاسلام


    التعديل الأخير تم بواسطة cbechir ; 20-01-17 الساعة 10:51 AM

  4. #94

    • Online
    • Super Moderator



    تاريخ التسجيل
    Jul 2013
    المشاركات
    2,806
    شكراً
    60
    شكر 105 مرات في 92 مشاركات
    أسباب علاجية للغضب المذموم


    الخطبة الأولى

    أما بعد:
    حديثنا عن صفة من الصفات التي تظهر آثارها على سلوك الإنسان، ويحتاج المرء إلى اكتفاء شرها، حديثنا عن الغضب الذي هو صفة من صفات البشر، وهو ينقسم إلى قسمين: غضب محمود، وآخر مذموم،
    فأما المحمود فهو أن يغضب لله ولدين الله، وتلك صفة سيد المرسلين عليه الصلاة والسلام، فإنه كان لا يغضب إلا لله، وإذا انتهكت محارم الله، قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، لاَ امْرَأَةً، وَلاَ خَادِمًا، إِلاَّ أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ إِلاَّ أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ عز وجل» [أخرجه مسلم:2328].

    وأما الغضب المذموم فهو الغضب الذي يُخرج الإنسانَ عن وزن الأمور بالعدل، ويؤدي به إلى التعدي على الحقوق، وظلم العباد والانتقام للنفس.

    إخوة الإيمان، إن كثيرًا من الناس يتمنى أن يتخلص من هذا الغضب المذموم، وإنه والحمد لله في ديننا أسبابًا وقائية وعلاجية لهذا الغضب؛ من أخذ بها سلم من هذا الغضب المذموم وسلم من آثاره السيئة؛
    وسنقف في هذه الخطبة مع خمسة عشر من هذه الأسباب الوقائية والعلاجية بإذن الله:

    أولًا: العلم بأن الغضب نفخة من نفخات الشيطان الرجيم، لِيُهَيِّجَ الإنسان فيقع فيما لا تحمد عقباه، فعلى المسلم إذا أصابه شيء من ذلك استعاذ بالله من الشيطان الرجيم، {وَإِمَّا يَنـزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [فصلت:36]، قال سليمان بن صُرَدٍ كُنْتُ جَالِسًا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَرَجُلاَنِ يَسْتَبَّانِ، فَأَحَدُهُمَا احْمَرَّ وَجْهُهُ، وَانْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ:أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ،ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ» [صحيح البخاري:3282].

    ثانيًا: تدريب وتعويد النفس على الصبر، يقول صلى الله عليه وسلم: «وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَصْبِرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِنْ عَطَاءٍ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنَ الصَّبْرِ» [صحيح مسلم:1053].

    ثالثًا: السكوت، قال صلى الله عليه وسلم: «إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْكُتْ» [صحيح الجامع:693]، وذلك أن الغاضب إذا غضب تفوه بكلمات لا يحسب لها حسابًا، وقد تؤدي به أحيانًا إلى التهلكة سواءً في دينه أو دنياه، فكان أعظم علاج له السكوت.

    رابعًا: تغيير هيئته ومكانه، فإن كان قائمًا فليجلس، وإن كان جالسًا فليضطجع، فإن غلبه الغضب وعلم أنه إذا بقي في مكانه استمر غضبه، ونشط شيطانه، وهامت نفسه في الغي، فعليه أن يفارق المكان الذي هو فيه إلى مكان تهدأ فيه نفسه، ويسكن فيه فؤاده، قال أبو ذر رضي الله عنه إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لنَا: «إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلاَّ فَلْيَضْطَجِعْ» [صحيح أبي داود:4782].

    خامسًا: أن يحرص أن يكون حليمًا ليحظى بمحبة الله، يقول صلى الله عليه وسلم لأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ: «إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ الْحِلْمُ وَالأَنَاةُ» [صحيح مسلم:17].

    سادسًا: عِلم العبد أن كظم الغيظ من أعظم صفات المتقين، قال الله تعالى: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ . الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران:133-134].كانت جاريةٌ تصب الماء على يدي جعفر الصادق رحمه الله تعالى فوقع الإبريق من يدها فانتثر الماء عليه، فاشتد غضبُه، فقالت له: يا مولاي: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظ}، قال: كظمت غيظي، قالت: {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ}، قال: عفوت عنك، قالت: {وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} قال: أنت حرّة!! فانظر احترامهم لآيات القرآن وآدابه.

    سابعًا: تذكرُ الفضلِ الذي رتبه الله لمن غضب؛ فكظم غيظه وهو قادر على إنفاذه، قَالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَظَمَ غَيْظًا - وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ - دَعَاهُ اللَّهُ - عز وجل - عَلَى رُءُوسِ الْخَلاَئِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ مَا شَاءَ» [صحيح أبي داود:4777]، أن رجلًا جاء للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله دلني على عمل يدخلنيالجنة، قال له صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَغْضَبْ وَلَك الجَنَّة» [صحيح الجامع:7374].

    ثامنًا: العلم واليقين بأن ردَّ الغضب اتباعٌ لوصية النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا كظم الإنسان غضبه ولم ينفذه فإنه قد اتبع هدي النبي صلى الله عليه وسلم، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: أوصني. قال: «لاَ تَغْضَبْ؛ فَرَدَّدَ مِرَارًا، قالَ: لاَ تَغْضَبْ» [صحيح البخاري:6116].

    تاسعًا: العلم بأن في دفع الغضب ردًا للعدوان، وإغلاقًا لباب الفتنة، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "دخل الناسُ النارَ من ثلاثة أبواب: باب شبهة أورثت شكًا في دين الله، وباب شهوة أورثت تقديم الهوى على طاعته ومرضاته، وباب غضب أورث العداون على خلقه" (الفوائد:58).

    عاشرًا: العلم بأن في دفع الغضب إثباتًا لشجاعة الشخص المالك لنفسه عند الغضب، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» [صحيح البخاري:6114]، فضبط النفس مقياسٌ لشجاعة الشخص، وقوةِ حلمه، وثباتِ قلبه، وشجاعتِه، يقول ابن مسعود رضي الله عنه: "انظروا إلى حلم الرجل عند غضبه" (إحياء علوم الدين :3/150)، أي أنك لا تعرف الإنسان إلا عند الغضب فعنده ينكشف حلمه وتظهر أخلاقه.نكمل هذه الأسباب في الخطبة الثانية، وأستغفر الله.

    الخطبة الثانية

    الحادي عشر: امتثال أمر الله بدفع السيئة بالحسنة، فإنَّ هذه هي غاية مكارم الأخلاق، ومحاسن الطباع، ومآل هذا الدفع إلى خير، يقول الله عز وجل: {وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت:34 ].

    الثاني عشر: العلم واليقين بأن في مجاراة الغضب وعدم دفعة حصول الندامة - في الغالب - بعد ذهابه، يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "أوّلُ الغضبِ جنون، وآخره ندم، وربما كان العطب في الغضب" (الآداب الشرعية:1/205).

    الثالث عشر: أن يعلم الشخص أن الغضب - في الغالب - يورث الحقد والحسد، والعداوة والبغضاء، والعدوان وحب الانتقام، وهو يؤول إلى التقاطع، فهو مفتاح الفتن والآثام، وبريد التفرق والانقسام، فالغضب مفتاح كل عداوة وشر، فجماع الخير في الحِلْمِ، وجماع الشر في الغضب، وإن نتائجه عظيمة، وعواقبه وخيمة؛ فكم دُمِّرت به أُسر، ومُزقت به بيوت، وقُطِّعت به أرحام، وأشعلت به فتن، وقامت بسببه محن، فهو يُغضب الرحمن، ويُفرِّق الإخوان، ويُعْمِي الأبصار، ويُصم الآذان.

    الرابع عشر: كثرة الدعاء بأن يرزقك الله الحِلْمَ، وكلمةَ الحق في الغضب والرضا، فقد كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: «وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ» [صحيح النسائي:1304].

    الخامس عشر: قراءة سِير من ابتلوا فصبروا، وأُغضبوا فكظموا، وأُوذوا فَحَلِمُوا، وأعظم سير هؤلاء سيرة النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، ثم سيرة أصحابه ومن جاء بعدهم من أهل مكارم الأخلاق، قال أنس بن مالك رضي الله عنه: "كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ -أي نوع من الثياب يصنع بنجران حافته غليظة- فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَذَبَهُ جَذْبَةً شَدِيدَةً، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَدْ أَثَّرَتْ بِهِ حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَذْبَتِهِ، ثُمَّ قَالَ مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ؛ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ النبي صلى الله عليه وسلم، فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ" (أخرجه البخاري ومسلم).فعلينا أيها الإخوة إعادةُ النظر في هذه الأسباب من وقت لآخر، ونتأمل فيها، ونتعاون على استذكارها وتطبيقها، حتى نحظى بالخلق الرفيع الذي يؤدي إلى محبة الله وجزيل أجره، ومحبة الخلق.

    اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ...

    طريق الاسلام


    التعديل الأخير تم بواسطة cbechir ; 03-02-17 الساعة 03:39 PM

  5. #95

    • Online
    • Super Moderator



    تاريخ التسجيل
    Jul 2013
    المشاركات
    2,806
    شكراً
    60
    شكر 105 مرات في 92 مشاركات
    الله الله في الأم



    الخطبة الاولى

    الحمدلله الذي شهدت بوجوده آياته الباهرة , ودلت على كرم جوده آياته الظاهرة والباطنة, وسبحت بحمده الأفلاك الدائرة والرياح السائرة والسحب الماطرة , هو الأول فله الخلق والأمر, والآخر فإليه الرجوع يوم الحشر, هو الظاهر فله الحكم والقهر, هو الباطن فله السر والجهر, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له له الملك وله الحمد وهو عل كل شئ قدير……….. يارب
    رضاك خير من الدنيا وما فيها: بامالك النفس قاصيها ودانيها
    فنظرة منك ياسؤلي وياأملي : خير إلي من الدنيا وما فيها
    وأشهد أن محمدا عبدالله ورسوله , أمام الاتقياء وسيد الأصفياء وخير من مشى تحت أديم السماء ,صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين
    والله مافي الخلق مثل محمد : في الفضل والجود والأخلاق
    فهو النبي الهاشمي المصطفى : من خيرة الإنسان من عدنان
    لو حاول الشعراء وصف محمد : وأتو بأشعار من الأوزان
    ماذا يقول الواصفون لأحمد : بعد الذي جاء في القرآن
    عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى وطاعته (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)(102) آل عمران
    عباد الله , موضوعنا اليوم عن الام وما ادراك ما الْأُمُّ؟! عِطْرٌ يَفُوحُ شَذَاهُ، وَعَبِيرٌ يَسْمُو فِي عُلَاهُ،. الْأُمُّ: هِيَ قَسِيمَةُ الْحَيَاةِ، وَمَوْطِنُ الشَّكْوَى، وَعَتَادُ الْبَيْتِ، وَمَصْدَرُ الْأُنْسِ، وَأَسَاسُ الْهَنَاءِ، يَطِيبُ الْحَدِيثُ بِذِكْرَاهَا، وَيَرْقُصُ الْقَلْبُ طَرَبًا بِلُقْيَاهَا.
    إِنَّهَا الْأُمُّ الَّتِي وَصَّى بِهَا الْمَوْلَى -جَلَّ جَلَالُهُ- وَجَعَلَ حَقَّهَا فَوْقَ كُلِّ حَقّ قال تعالىٍ: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِير)ُ أُمُّكَ ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ؛ قَالَهَا الْمُصْطَفَى -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثَلَاثًا لِمَنْ سَأَلَهُ: مَنْ . أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صُحْبَتِي؟! إِنَّهَا الْأُمُّ، يَا مَنْ تُرِيدُ مَغْفِرَةَ الذُّنُوبِ وَسَتْرَ الْعُيُوبِ، يَأْتِي إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم رَجُلٌ فَيَقُولُ: أَذْنَبْتُ ذَنْبًا كَبِيرًا؛ فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟! فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ؟!" قَالَ: لَا، قَالَ: "فَهَلْ لَكَ مِنْ خَالَةٍ؟!" قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَبِرَّهَا". رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ فالخاالة بمنزلة الأم, الْإِحْسَانُ إِلَى الْأُمِّ سَبَبٌ لِلْبَرَكَةِ فِي الرِّزْقِ وَطُولِ الْعُمُرِ؛ فَفِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ يَقُولُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ؛ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ". وَأَعْظَمُ الصِّلَةِ صِلَةُ الْوَالِدَيْنِ، وَأَتَمُّ الْإِحْسَانِ الْإِحْسَانُ إِلَى الْأُمِّ. وَأَخْبَرَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ أُوَيْسٍ الْقَرَنِيِّ -رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ- أَنَّهُ كَانَ مُجَابَ الدُّعَاءِ، وَكَانَ مِنْ أَبَرِّ النَّاسِ بِوَالِدَتِهِ.
    الْبِرُّ بِالْأُمِّ -عِبَادَ اللَّهِ- مَفْخَرَةُ الرِّجَالِ، وَشِيمَةُ الشُّرَفَاءِ، وَقَبْلَ ذَلِكَ كُلِّهِ : هُوَ خُلُقٌ مِنْ خُلُقِ الْأَنْبِيَاءِ؛ قَالَ تَعَالَى عَنْ يَحْيَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ "-: "وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا" مريم: 14 وَقَالَ عِيسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: "وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا". الْبِرُّ بِالْأُمِّ يَتَأَكَّدُ يَوْمَ يَتَأَكَّدُ إِذَا تَقَضَّى شَبَابُهَا، وَعَلَا مَشِيبُهَا، وَرَقَّ عَظْمُهَا، وَاحْدَوْدَبَ ظَهْرُهَا، وَارْتَعَشَتْ أَطْرَافُهَا، وَزَارَتْهَا أَسْقَامُهَا، فِي هَذِهِ الْحَالِ مِنَ الْعُمُرِ لَا تَنْتَظِرُ صَاحِبَةُ الْمَعْرُوفِ وَالْجَمِيلِ مِنْ وَلَدِهَا إِلَّا قَلْبًا رَحِيمًا، وَلِسَانًا رَقِيقًا، وَيَدًا حَانِيَةً. فَطُوبَى لِمَنْ أَحْسَنَ إِلَى أُمِّهِ فِي كِبَرِهَا! طُوبَى لِمَنْ شَمَّرَ عَنْ سَاعِدِ الْجِدِّ فِي رِضَاهَا؛ فَلَمْ تَخْرُجْ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا وَهِيَ عَنْهُ رَاضِيَةٌ مَرْضِيَّةٌ. يَا أَيُّهَا الْبَارُّ بِأُمِّهِ -وَكُلُّنَا نَطْمَعُ أَنْ نَكُونَ ذَاكَ الرَّجُلَ-: تَمَثَّلْ قَوْلَ الْمَوْلَى -جَلَّ جَلَالُهُ:" وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ "(الإسراء: 24) تَخَلَّقْ بِالذُّلِّ بَيْنَ يَدَيْهَا بِقَوْلِكَ وَفِعْلِكَ، لَا تناديها بِاسْمِهَا؛ بَلْ نَادِهَا بِلَفْظِ الْأُمِّ؛ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى قَلْبِهَا، لَا تَجْلِسْ قَبْلَهَا، وَلَا تَمْشِ أَمَامَهَا، قَابِلْهَا بِوَجْهٍ طَلْقٍ، وَابْتِسَامَةٍ وَبَشَاشَةٍ، تَشَرَّفْ بِخِدْمَتِهَا، وَتَحَسَّسْ حَاجَاتِهَا، إِنْ طَلَبْتَ فَبَادِرْ أَمْرَهَا، وَإِنْ سَقِمَتْ فَقُمْ عِنْدَ رَأْسِهَا، أَبْهِجْ خَاطِرَهَا بِكَثْرَةِ الدُّعَاءِ لَهَا، لَا تَفْتَأُ أَنْ تُدْخِلَ السُّرُورَ عَلَى قَلْبِهَا؛ قَدِّمْ لَهَا الْهَدِيَّةَ، وَزُفَّ إِلَيْهَا الْبَشَائِرَ، وإن كنت بعيدا عنها أكثر من الاتصال بها وابلغها بشوقك الى لقياها ,ولا ترفع صوتك عليها وأنت تخاطبها , أبو هريرة نادته أمه يوما ياأبا هريرة , فقال بصوت عالي من غير قصد لبيك , فتذكر أن صوته أرفع من صوت أمه فقال استغفر الله , رفعت صوتي على أمي , فذهب ألى السوق واشترى عبدين وأعتقهما كفارة لذلك , هولاء هم السلف الصالح عرفوا معاني البر,فبروا آباءهم , إنها الأم الغالية
    أحن إلى الكأس التي شربت بها وأهوى لمثواها التراب وما ضمّا
    فبرأمك في الحياة وبعد الممات , "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟! قَالَ: "نَعَمِ؛ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا، وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا". من أراد الجنة فليرابط عند والديه ويجاهد فيهما "جاء رجل من اليمن إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال يارسول الله جئتك أريد الجهاد معك في سبيل الله" , فما هو أول سؤال سأله النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال له , "أفي اليمن أبواك ؟ قال نعم قال: وتريد الجنة قال نعم قال ارجع اليهما فأحسن إليهما فإن الجنة ثم ّ" أي عند رجليهما " هذالرجل ضحى بوقته وماله ونفسه ؛من أجل أن يجاهد بجانب رسول الله صلى الله عليه وسلم وينال الشرف بمشاركة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكسب أعلى الجنان ولكنّ الرسول صلى الله عليه وسلم يفاجئه بأن الذي جاء من أجله هناك وراءه في البيت عند أبويه في لزوم رجليهما والسهر على راحتهما ومسح دمعاتهما , وان يفرح قلبيهما برؤيتهما له بجانبهما , وإدخال السرور عليهما , تذهب وتجاهد من أجل الجنة , ولمن تترك والديك العاجزين من الذي يرعاهما من الذي يضحكهما, من يحس بآلامهما ويعرف حوائجهما غيرك هل تتركهما للخادم والخادمة؟ أم تتركهما للجيران والمحسنين؟ , هل هذه مكا فأتهما؟ , كم تعبا من أجلك, كم سهرا للترتاح, وكم جاعا لتشبع كم غسلت أمك عنك الأذى وكم بكت لأجلك,, كانت تعلق فيك جميع آمالها, وتخاف عليك من الهمسة وتشفق عليك من اللمسة وفي النهاية تتركهما لغيرك يخدمهما , أي قلب تحمل ياهذا أي معروف تكافئهما به ياناكر المعروف وياجاحد النعمة , ووالله لإشراقة بسمة تخرج من بين شفاههما ودعوة لك من أفواههما لهي من أفضل النعم ألتي ساقها الله إليك , إنه البر الذي أوصى به الله , إن طاعة الأم والسهر على راحتها من أعظم القربات عند الله , وهذا محمد بن المكندر من التابعين يقول : بت ليلة كاملة أغمز رجل أمي وبات أخي عمر يصلي , ووالله مايسرني ليلته بليلتي, فأي من العملين مع صلاحهما جميعا يسر الأم هل الذي سهر يصلي؟ أم الذي سهر يغمزرجل أمه ويعالجها ويراقب حالتها؟ , إنه البر ياعباد الله الذي فهم معانيه اؤلئك السلف الصالح تَذَكَّرْ -أَخِي الْمُقَصِّرَ مَعَ أُمِّك- لَيْلَةً تُصْبِحُهَا بِلَا أُمٍّ مُشْفِقَةٍ، لَكَ دَاعِيَةٌ، وَعَنْكَ سَائِلَةٌ. تَذَكَّرْ يَوْمًا تَحْثُو فِيهِ التُّرَابَ عَلَى صَاحِبَةِ الْقَلْبِ الرَّهِيفِ وَالْجِسْمِ الضَّعِيفِ. تَذَكَّرْ سَاعَةً تَدْخُلُ فِيهَا الْمَنْزِلَ، فَلَا تَسْمَعُ صَوْتَهَا، وَلَا تُبْصِرُ رَسْمَهَا! انك لاتعرف مقدار نعمتها الا اذا فقدتها , سلوا من فقدوا امهاتهم, سلوا من لم يروا امهاتهم كيف حالهم وما هي امنياتهم, فَاسْتَغْفِرْ رَبَّكَ أَخِي الْمُقَصِّرَ، وَعَاهِدْ نَفْسَكَ مِنْ هَذَا الْمَكَانِ عَلَى اسْتِدْرَاكِ مَا فَاتَ بِالْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ فِيمَا هُوَ آتٍ، فَهَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ!
    أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) لقمان: 14
    بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِهَدْيِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ.


    الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

    الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَإِخْوَانِهِ، وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
    عباد الله
    عُقُوقُ الْأُمَّهَاتِ سَبَبٌ لِلْعُقُوبَةِ فِي الْحَيَاةِ وقَبْلَ الْمَمَاتِ؛ يَقُولُ الْمُصْطَفَى -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، مَعَ مَا يَدَّخِرُهُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، مِنَ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ" رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. فَيَا مَنْ عَقَّ أُمَّهُ، وَيَا مَنْ أَتْعَبَهَا وَأَبْكَاهَا ,ويامن هجرها من اجل الدنيا,ومضت سنوات وهو لم يرها ولم يقبل يدها ويتشرف بخدمتها وربما ما تت وهولم يرها من عشرات السنين ماحجتك عند الله وماجوابك إذاسئلت يوم القيامة عن تقصيرك وتفريطك تجاه امك: اسْتَدْرِكِ الْحَالَ، وَاسْتَشْعِرْ قَبَاحَةَ الْفِعَالِ، تَذَكَّرْ - أَنَّ وُجُودَ الْأُمِّ فِي حَيَاتِكَ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، وَأُمْنِيَّةٌ تَاقَتْ لَهَا صُدُورٌ مَكْلُومَةٌ، وَبِهَا تَنَالُ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى؛ فَرِضَا اللَّهِ فِي رِضَا الْوَالِدَيْنِ،, فعقوقها من الكبائر ففي الحديث: ثلاثة لا يقبل الله منهم صرفا ولا عدلا منهم العاق لوالديه وفي رواية ثلاثة لايدخلون الجنة العاق لوالديه ومدمن الخمروالمنان, فاتقوا الله عباد الله, فالحساب عند الله عسبر , وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلا ة والسلام عليه
    , فقد قال جل من قائل عليما "
    إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمً"ا"


    كتبها : يحيى إبراهيم الشيخي



    التعديل الأخير تم بواسطة cbechir ; 02-02-17 الساعة 07:12 PM

  6. #96

    • Online
    • Super Moderator



    تاريخ التسجيل
    Jul 2013
    المشاركات
    2,806
    شكراً
    60
    شكر 105 مرات في 92 مشاركات
    بركة الرزق



    الخطبة الأولى


    أما بعد: فيا عباد الله، اتقوا الله حقيقة التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واعلموا أن أجسادنا على النار لا تقوى، وأكثروا من ذكر الموت والبلى وقرب المصير إلى الله جل وعلا.
    عباد الله، إن الله أنعم علينا بنعم عظيمة ومنن جليلة كريمة. نعم لا تعد ولا تحصى ومنن لا تكافأ ولا تجزى، فما من طرفة عين إلا والعبد ينعم فيها في نعم لا يعلم قدرها إلى الله جل وعلا: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود: 6].
    خلق الخلق فأحصاهم عددًا وقسم أرزاقهم وأقواتهم فلم ينس منهم أحدًا، فما رفعت كف طعام إلى فمك وفيك إلا والله كتب لك هذا الطعام قبل أن يخلق السموات والأرض، سبحان من رزق الطير في الهواء والسمكة والحوت في ظلمات الماء، سبحان من رزق الحية في العراء والدود في الصخرة الصماء، سبحان من لا تخفى عليه الخوافي فهو المتكفل بالأرزاق، كتب الآجال والأرزاق وحكم بها فلم يعقب حكمه، ولم يُردُّ عليه عدله، سبحان ذي العزة والجلال مصرف الشؤون والأحوال.
    وإذا أراد الله بالعبد خيرًا بارك له في رزقه، وكتب له الخير فيما أولاه من النعم, البركة في الأموال، والبركة في العيال، والبركة في الشؤون والأحوال، نعمة من الله الكريم المتفضل المتعال, الله وحده منه البركة ومنه الخيرات والرحمات، فما فتح من أبوابها لا يغلقه أحد سواه، وما أغلق لا يستطيع أحد أن يفتحه.
    لذلك عباد الله: إذا أراد الله بالعبد خيرًا بارك له في رزقه وقوته، إنها البركة التي يصير بها القليل كثيرًا، ويصير حال العبد إلى فضل ونعمة وزيادة وخير، فالعبرة كل العبرة بالبركة, فكم من قليل كثره الله، وكم من صغير كبره الله, وإذا أراد الله أن يبارك للعبد في ماله هيأ له الأسباب وفتح في وجهه الأبواب.
    ومن أعظم الأسباب التي تفتح بها أبواب الرحمات والبركات تقوى الله جل جلاله، تقوى الله التي يفتح الله بها أبواب الرحمات ويجزل بها العطايا والخيرات وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [الأعراف:66]. الخير كل الخير، وجماع الخير في تقوى الله جل وعلا، ومن اتقى الله جعل له من كل هم فرجًا ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب، فلن تضيق أرض الله على عبد يتقي الله، ولن يضيق العيش والرزق على من خاف الله واتقاه.
    عباد الله: ومن أسباب البركات ومن الأمور التي يفتح به الله أبواب البركات على العباد الدعاء والالتجاء إلى الله جل وعلا، فهو الملاذ وهو المعاذ, فإن ضاق عليك رزقك وعظم عليك همك وغمك وكثر عليك دينك فاقرع باب الله الذي لا يخيب قارعه، واسأل الله جل جلاله فهو الكريم الجواد، وما وقف أحد ببابه فنحّاه، ولا رجاه عبد فخيبه في دعائه ورجاه، "دخل النبي يومًا إلى مسجده المبارك فنظر إلى أحد أصحابه وجده وحيدًا فريدًا ونظر إلى وجه ذلك الصحابي فرأى فيه علامات الهم والغم رآه جالسًا في مسجده في ساعة ليست بساعة صلاة فدنى منه الحليم الرحيم صلوات الله وسلامه عليه ـ وكان لأصحابه أبر وأكرم من الأب لأبنائه ـ وقف عليه رسول الهدى فقال: ((يا أبا أمامة ما الذي أجلسك في المسجد في هذه الساعة؟)) قال: يا رسول الله، هموم أصابتني وديون غلبتني ـ أصابني الهم وغلبني الدين الذي هو همّ الليل وذل النهار ـ فقال : ((ألا أعلمك كلمات إذا قلتهن أذهب الله همك وقضى دينك؟)) صلوات ربي وسلامه عليه، ما ترك باب خير إلا ودلنا عليه, ولا سبيل هدى ورشد إلا أرشدنا إليه فجزاه الله عنا خير ما جزى نبيًا عن أمته ((ألا أدلك على كلمات إذا قلتهن أذهب الله همك وقضى دينك؟)) قال: بلى يا رسول الله، قال(قل إذا أصبحت وأمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال)) قال وأرضاه: فقلتهن فأذهب الله همي وقضى ديني[1].
    الدعاء حبل متين وعصمة بالله رب العالمين إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: 5]. فإذا أراد الله أن يرحم المهموم والمغموم والمنكوب في ماله ودينه ألهمه الدعاء، وشرح صدره لسؤال الله جل وعلا من بيده خزائن السموات والأرض، يده سحاء الليل والنهار لا تغيضها نفقة.
    ومن أسباب البركات، ومن الأسباب التي يوسع فيها على أرزاق العباد صلة الأرحام، قال : ((من أحب منكم أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره، وأن يزاد له في عمره فليصل رحمه))[2].
    صِلُوا الأرحام؛ فإن صلتها نعمة من الله ورحمة يرحم الله بها عباده، أدخل السرور على الأعمام والعمات، والأخوال والخالات، وسائر الأرحام والقرابات. فمن وصلهم وصله الله وبارك له في رزقه ووسع له في عيشه.
    ومن أسباب البركات التي توجب على العباد الرحمات والنفقات والصدقات، فمن يسر على معسر يسر الله له في الدنيا والآخرة، ومن فرج كربة المكروب فرج الله كربته في الدنيا والآخرة، فارحموا عباد الله يرحمكم من في السماء، والله يرحم من عباده الرحماء، وما من يوم تصبح فيه إلا وملكان ينزلان يقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا[3].
    يا ابن آدم أنفق ينفق الله عليك، وارحم الضعفاء يرحمك من في السماء، فرجوا الكربات وأغدقوا على الأرامل والمحتاجين، فإن الله يرحم برحمته عباده الراحمين، قال : ((يا أسماء، أنفقي يُنفق الله عليك، ولا توعي فيوعي الله عليك))[4]، امرأة يقول لها: ((أنفقي ينفق الله عليك))، فمن أنفق لوجه الله ضاعف الله له الأجر؛ فالحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف إلى أضعاف كثيرة لا يعلمها إلا الله، ولك الخلف من الله، فما نقصت صدقة من مال. كان الناس إلى عهد قريب يعيشون حياة شديدة صعبة، ومع ذلك فرج الله همومهم، ونفس الله غمومهم بفضله ثم بما كان بينهم من الرحمات، كانوا متراحمين متواصلين متعاطفين فجعل الله القليل كثيرًا، وانظر إلى أصحاب رسول الله كيف كانوا رحماء بينهم فرحمهم الله من عنده.
    ومن الأسباب التي يبارك الله بها في الأرزاق، بل يبارك بها في الأعمار وفي أحوال الإنسان العمل والكسب الطيب، الإسلام دين العمل، دين الكسب، الحلال الذي يعف الإنسان به نفسه عن القيل والقال وسؤال الناس، فمن سأل الناس تكثرًا جاء يوم القيامة وليس على وجهه مزعة لحم[5] والعياذ بالله.
    خذ بأسباب الرزق وامش في مناكبها فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [الملك: 15]. بسط الله الأرض وأخرج منها الخيرات والبركات، وجعل الخير في العمل، والشر في البطالة والكسل، الإسلام دين الجهاد والعمل قال : يرشدنا إلى فضل الأعمال وما فيها من الخير في الأرزاق ((وجعل رزقي تحت ظل رمحي))[6].
    فليست الأرزاق أن يجلس الإنسان في مسجده، فلا رهبانية في الإسلام فإن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة، خذوا بالأسباب واطلبوا الرزق الحلال من أبوابه يفتح الله لكم من رحمته، وينشر لكم من بركاته وخيراته، الرجل المبارك يسعى على نفسه وأهله وولده، فيكتب الله له أجر السعي والعمل، ليس العمل بعار، فقد عمل أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، كان نبي الله داود يعمل صنعة لبوس فكان يعمل في الحدادة فكانت منة من الله على عباده.
    ليس بعار أن تكون حدادًا أو نجارًا، ولكن العار كل العار في معصية الله جل وعلا والخمول والكسل والبطالة حين يعيش الإنسان على فتات غيره، حين يعيش الرجل على فتات غيره مع أنه صحيح البدن قوي في جسده، فهذا من محق البركة في الأجساد، فخذوا رحمكم الله بأسباب البركة بالعمل المباح والكسب المباح، فلن يضيق الرزق بإذن الله على من اكتسب, قال : ((لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا))[7]فأخبر أنها تغدو وأخبر أنها تذهب، فمن ذهب للرزق يسر الله أمره.
    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر:18].
    اللهم بارك لنا في القرآن العظيم وانفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.


    [1] رواه أبو داود في كتاب الوتر, باب في الاستعاذة (4/412) عون المعبود شرح سنن أبي داود، عن أبي سعيد الخدري.

    [2] رواه البخاري في كتاب الأدب، باب من بسط له الرزق بصلة الرحم (10/429) فتح، ومسلم في كتاب البر، باب صلة الرحم وتحريم قطعها (16/114) بشرح النووي، عن أنس.

    [3] رواه البخاري في كتاب الزكاة, باب قول الله تعالى: فأما من أعطى واتقى... (3/304) فتح، ومسلم في كتاب الزكاة، باب كل نوع من المعروف صدقة (7/95) بشرح النووي، عن أبي هريرة.

    [4] رواه مسلم في كتاب الزكاة، باب الحث على الإنفاق وكراهة الإحصاء (7/118) بشرح النووي، عن أسماء.

    [5] كما عند البخاري في كتاب الزكاة، باب الحث على الإنفاق وكراهة الإحصاء (7/118) بشرح النووي، عن أسماء.

    [6] رواه البخاري تعليقًا في كتاب الجهاد, باب ما قيل في الرماح، ورواه أحمد (2/50) عن ابن عمر.

    [7] رواه أحمد (1/30) والترمذي في كتاب الزهد، باب ما جاء في الزهادة في الدنيا، عن عمر بن الخطاب.



    الخطبة الثانية

    الحمد لله الواحد القهار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، مقلب القلوب والأبصار، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله المصطفى المختار، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الأطهار وعلى جميع أصحابه الأبرار ومن سار على نهجهم واهتدى بهديهم ما أظلم الليل وأضاء النهار.
    أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل.
    عباد الله، بعد أيام قليلة ينتهي هذا النصف من العام الدراسي وتُقبل العطل على الناس فيعيش الناس هذه العطلة والله أعلم بما غيبت لهم من الأقدار والأخبار, ولكنَّ كثيرًا من الناس قد يكرمهم الله عز وجل بفضله فيغتنمون هذه العطل في خير يعود عليهم بصلاح دينهم ودنياهم وأخراهم.
    ومن الأمور التي يكثر وقوعها في هذه العطلة: الزواج: الرحمة العظيمة والمنة الجليلة الكريمة التي بها يضاف بيت مسلم إلى بيوت المسلمين فنسأل الله العظيم أن يبارك للمسلمين فيما يكون لهم من ذلك وأن يجعل أفراحهم عونًا على طاعته ومحبته ومرضاته، وأن يُخرجَ منها الذرية الصالحة التي تقر بها العيون.
    فيا معشر الشباب، يا معشر الآباء والأمهات إن الزواج مسئولية عظيمة، فمن أراد أن يكرمه الله بنعمته فليأخذ بأسباب الخير في هذا الرباط العظيم خيرها وأفضلها:
    أن يتقي الله عز وجل في نكاحه فلا تنكح إلا عبدًا صالحًا ولا تنكح إلا مؤمنة تتقي الله وتخافه قال رجل للحسن البصري رحمه الله: يا إمام إن لي ابنة لمن أزوجها؟ قال: زوجها التقي؛ فإنه إن أمسكها أكرمها وإن طلقها لم يظلمها.
    فاتقوا الله عز وجل في اختيار الأزواج والزوجات، وإذا أكرمك الله فوجدت المرأة الصالحة وأردت أن تبني هذا البيت فابنه على تقوى من الله ورضوانه، فإنه الأساس المتين والحصن الحصين بإذن الله رب العالمين، فمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان أسعده الله في حياته وبارك له في نفقة الزواج, فخير النساء وأبركهن أيسرهن مئونة، فإياك والإسراف, إياك والبذخ, فإن الله لا يحب المسرفين، واشكر نعمة الله عز وجل عليك، وجليل منته لديك، إذ أعطاك المال وحرم غيرك، فاتق الله في مالك وما تنفقه في زواجك ونكاحك، واطلب اليسير فإن الله يجعله كثيرًا بفضله ورحمته.
    لو كان التفاخرُ في المهور ومئونة النكاح خيرًا لفعله رسول الله والأخيار من بعده فخيرُ النساء وأبركهن أيسرهن مئونة.
    الأمر الثالث: اتق الله في ليلة عُرسك، اتق الله أن تستفتح هذا الزواج بمعاصي الله، وانتهاك حدود الله ومحارم الله وجمع العباد على ما يسخط الله ويغضب الله، اللهَ اللهَ أن تستفتح هذا النكاح بما يوجب غضب الله عليك وسخطه عليك فإنه من يخادع الله يخدعه، ومن يكفر نعمة الله عز وجل فإن الله عزيز ذو انتقام.
    عباد الله، إن الله أمرنا بالصلاة والسلام على خير الأنام...


    محمد بن محمد المختار الشنقيطي

    المنبر




    التعديل الأخير تم بواسطة cbechir ; 03-02-17 الساعة 03:46 PM

  7. #97

    • Online
    • Super Moderator



    تاريخ التسجيل
    Jul 2013
    المشاركات
    2,806
    شكراً
    60
    شكر 105 مرات في 92 مشاركات
    الفساد في الارض




    الخطبة الأولى

    أما بعد:
    فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.
    عباد الله، بعث الله نبيه محمداً بالهدى ودين الحق، هُوَ ظ±لَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِظ±لْهُدَىظ° وَدِينِ ظ±لْحَقّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ظ±لدّينِ كُلّهِ [الفتح:28]. والهدى هو العلم النافع والعمل الصالح، بعث الله محمداً على حين فترة من الرسل، واندراس من العلم والهدى، والأرض مليئة بالفساد في كل الشؤون، الأرض مليئة بالفساد في كل أحوال البشرية، بعثه الله في قوم يعيشون جاهليةً جهلاء، وضلالةً عمياء، لا يعرفون حقاً من باطل، ولا هدىً من ضلال، ولا يميزون بين معروف ومنكر، نشؤوا على هذه الضلالة حتى استقرت في نفوسهم، والأرض كلها مليئة بالظلم والإجرام والعدوان والفساد العظيم، فبعث الله محمداً ، فأصلح الله به الأرض بعد فسادها، وجمع به القلوب بعد فرقتها، فهدى الله به من الضلالة، وبصَّر به من العمى، فصلوات الله وسلامه عليه، وصدق الله: قَدْ جَاءكُمْ مّنَ ظ±للَّهِ نُورٌ وَكِتَـظ°بٌ مُّبِينٌ يَهْدِى بِهِ ظ±للَّهُ مَنِ ظ±تَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ ظ±لسَّلَـظ°مِ وَيُخْرِجُهُمْ مّنِ ظ±لظُّلُمَـظ°تِ إِلَى ظ±لنُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىظ° صِرظ°طٍ مُّسْتَقِيمٍ[المائدة:15، 16].
    أيها المسلمون، يقول الله جل وعلا: ظ±دْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ظ±لْمُعْتَدِينَ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى ظ±لأرْضِ بَعْدَ إِصْلَـظ°حِهَا وَظ±دْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ ظ±للَّهِ قَرِيبٌ مّنَ ظ±لْمُحْسِنِينَ [الأعراف:55، 566].
    ينهانا الله أن نفسد في الأرض بعد إصلاحها، أَجَل، إن الأرض صلحت بمبعث محمد ، صلحت في كل الأحوال، فالله ينهانا أن نفسد فيها بعد إصلاحها، بأي نوع من أنواع الفساد، فالله لا يحب الفساد، والله لا يصلح عمل المفسدين.
    وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى ظ±لأرْضِ، إن الفساد في الأرض شامل لأنواع الفساد كلّه، سواء كان هذا الفساد في المعتقد، في الأخلاق والسلوك، في المعاملات، في كل شؤون الحياة، فأعظم فساد في الأرض الإفساد فيها بالشرك بالله، بعبادة غيره، بدعاء غيره.
    الفساد فساد الأفكار، الفساد الفكري بالإلحاد والعياذ بالله، بالتنكر لهذا الدين، بمعاداة هذا الدين، بالسعي في القضاء على الإسلام وأهله، ذلك أعظم الفساد، وأعظم الجرم والعياذ بالله.
    فالمفسدون في الأرض الذي ينشرون الباطل والإلحاد، ويدعون إلى الضلال، ومخالفة الشريعة، والتنكر لها، ويعتقدون أن هذه الشريعة قد انتهى دورها في الحياة، وأن العالم يجب أن تكون له نظم وقوانين بعيدة عن هذا الدين وتعاليمه، أولئك المعادون لهذا الدين، والساعون في القضاء عليه، وعلى تعليمه ومبادئه، ذلك أعظم الفساد وأشره، أَفَحُكْمَ ظ±لْجَـظ°هِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ظ±للَّهِ حُكْماً لّقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50].
    من أنواع الفساد من يظن أن البشرية لا يمكن أن تبقى على الكتاب والسنة، ويزعمون أن الكتاب والسنة قد انتهى دورهما في الحياة، وأن العالم يجب أن ينبذ هذا الكتاب والسنة؛ لأنها تراث قديم، وأن الواجب أن تحكم قوانين ونظم على أنقاض هذه الشريعة، كل هذا من السعي في الأرض بالفساد، كل هذا من الفساد في الأرض الذي حرمه الله، ونهانا عنه جل وعلا.
    أيها المسلمون، الفساد في الأرض يكون أيضاً بأنواع المعاصي والمخالفات لشرع الله، بارتكاب نواهيه، وتعطيل أوامره ظَهَرَ ظ±لْفَسَادُ فِى ظ±لْبَرّ وَظ±لْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى ظ±لنَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ظ±لَّذِى عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ[الروم:41].
    أيها المسلمون، الفساد في الأرض؛ يعم الفساد المجتمع كلَّه أو بعض أفراده، فليتق المسلم ربه أن يكون ممن يسعى في الأرض فساداً من حيث لا يشعر.
    أيها المسلم، إن الله جل وعلا أمرنا بتقواه في كل أحوالنا؛ لأن تقواه جل وعلا يحصّننا من كل سوء، ويحفظنا من كل بلاء.
    من أنواع الفساد ـ يا عباد الله ـ التعامل بالرشوة بين المسلمين، ففي ذلك بلاء عظيم، وفي الحديث: ((لعن الله الراشي والمرتشي))[1].
    المرتشي قد أفسد في الأرض، دافع الرشوة قد أفسد في الأرض، نعم إنه أفسد في الأرض وعطل حقوق الخلق، وسعى لتعطيل حقوق الخلق، وأدّت به الرشوة إلى أن يظلم عباد الله، فيجحد حقوقهم، ويعطي الحق من لا يستحقه، ويتغاضى عن كل أنواع الفساد، لماذا؟ لأن هذه الرشوة التي سيطرت على قلبه، وأصبح ـ والعياذ بالله ـ لا يؤدي عملاً، ولا يقوم بواجب، إلا أن يرى تلك الرشوة قد حصلت في يديه، فإنه بذلك يعمل، ومن لم يقدّم له الرشوة، لا يمكن أن يقوم له بواجب، ولا يمكن أن يؤدي عمله، لفساد قلبه، ولهذا لُعِن الراشي والمرتشي، حتى يكون المجتمع بعيداً عن هذا الداء العضال، بعيداً عنه، لأن الرشوة، وشيوعها في أي مجتمع، سبب للفساد.
    أيها الإخوة، إن من الفساد في الأرض ما يروجه البعض من الشائعات والأراجيف والأباطيل التي يقصدون بها ملء القلوب من الفتن والمصائب، شحْن القلوب بالأحقاد والبغضاء على المجتمع المسلم، فبعضهم ـ والعياذ بالله ـ همّه وغايته أن يملأ قلوب الأمة حقداً على دينها، وحقداً على أمنها؛ وحقداً على ولاتها، لا يبالي بذلك؛ لأن هدفه وغايته أن يرى في المجتمع تفككاً، وأن يرى في المجتمع بعداً عن الهدى، والواجب على المسلم تقوى الله، في كل أموره كلها، وأن يسعى في جمع القلوب، وتوحيد الصف، ما وجد لذلك سبيلاً.
    شباب الإسلام، إن أعداء الإسلام يستغلون كل حدث، وكل أمر من الأمور، يستغلونه ليوظفوه في سبيل ضرب الأمة بعضها ببعض، وإحلال الشائعات والمصائب بين الأمة، فالواجب على المسلم أن يتقي الله، وأن لا ينخدع بكل ما يسمع ويعرض ويقال، إن كثيراً من هذه القنوات الباطلة، القنوات الفاسدة، كثير منها همّه وغاية همِّه أن ينشر الفساد بين المجتمع، وأن يسعى في تفريق قلوب الأمة، وأن يحدث بين صفوفها بلبلة بما ينشره ويعرضه من آراء بعيدة عن الإسلام وتعاليمه، بعيدة عن الخير كله، فليس هدفهم النصيحة، وليس هدفهم التوجيه، وليس هدفهم إيضاح الحق، وإنما هدفهم ملء القلوب حقداً وبغضاً في المجتمع بعضه على بعض.
    شباب الإسلام، إن الواجب على الجميع تقوى الله، وأن لا نصغي إلى ما يقوله الأعداء المغرضون، الله جل وعلا قد بين لنا في كتابه ما بين شياطين الإنس والجن من ارتباط وثيق في سبيل إحداث التصدع بين مجتمع المسلمين وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ عَدُوّاً شَيَـظ°طِينَ ظ±لإِنْسِ وَظ±لْجِنّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىظ° بَعْضٍ زُخْرُفَ ظ±لْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ظ±لَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِظ±لآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ [الأنعام:1122، 113].
    شباب الأمة، شباب الإسلام، اتقوا الله في أنفسكم، واستقيموا على طاعة ربكم، واشكروا الله على نعمائه عليكم، وحاولوا بكل وسيلة ممكنة أن تعالجوا كل قضية تحلّ بكم، أن يكون علاجها على ضوء ما دل عليه كتاب الله، وسنة محمد ، احذروا مكائد الأعداء فإنهم لا يبالون في أي أودية الهلاك ألقوكم، إنهم يظهرون أنفسهم بأنهم المصلحون، وبأنهم وبأنهم ... والله يعلم كذب ذلك، وَمِنَ ظ±لنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى ظ±لْحَيَوظ°ةِ ظ±لدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ظ±للَّهَ عَلَىظ° مَا فِى قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ ظ±لْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّىظ° سَعَىظ° فِى ظ±لأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ ظ±لْحَرْثَ وَظ±لنَّسْلَ وَظ±للَّهُ لاَ يُحِبُّ ظ±لْفَسَادَ[البقرة:204، 205].
    أعداؤنا يشجعون الفوضى في مجتمعات المسلمين، يشجعون كل فساد وفرقة بين المسلمين، ولكن المسلم على ثقة بدينه، على ثقة بإسلامه، ولا يغتر بمكائد الأعداء، ولا يظن أنهم يخلصون له، فهم أعداؤه وإن تظاهروا مظهر النصح والمودة، لكنهم في الباطل يبطنون العداء للإسلام وأهله، فلنتمسك بإسلامنا، ولنتمسك بديننا، ولنسع جاهدين في إصلاح أحوالنا، وإصلاح أعمالنا وأخلاقنا بالتناصح فيما بيننا، والتعاون على البر والتقوى في كل سبيل يكون به وحدة الأمة، واجتماع كلمتها.
    إن العالم الإسلامي اليوم وهو يعايش هذه الأحداث، إنه يعايشها، وللأسف الشديد أن كثيراً منها يستغل لأجل تفريق شمل الأمة، عاطفة طيبة ولكن يستغل هذه العاطفة من لا يبالون بالأمة، يهيّجونها ويأمرونها بكل أمر لا علاقة له بهذه الأمور، ولكنهم يستغلون هذه الفرصة، ليضربوا الأمة بعضها ببعض، وليفرقوا شملها، فهم يستغلون كل هذه الفرص لأجل أن تعيش الأمة في عالمنا الإسلامي في فوضى لا نهاية لها، ولا مبرر لها، ولا تخدم أي قضية، ولا تخدم أي هدف، ولكنها أمور تستغل لمصالح أعداء الإسلام.
    فليتق المسلمون ربهم، وليكونوا على وعي وفكر من الواقع كله حتى لا يمتدوا في طاعة أعدائهم، وحتى لا يخدموا مصالح أعدائهم من حيث لا يشعرون.
    حفظ الله الجميع بالإسلام، وأعاذنا وإياكم من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، إنه على كل شيء قدير.
    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.




    [1] أخرجه أحمد (11/87) [6532] ، وأبو داود في الأقضية [3580] ، والترمذي في الأحكام [1337] ، وابن ماجه في الأحكام [2313] من حديث عبد الله بن عمرو قال : لعن رسول الله الراشي والمرتشي ، وقال الترمذي : "حديث حسن صحيح" ، وصححه ابن الجارود [586] ، وابن حبان [5077] ، والحاكم (4/102-103] ، ووافقه الذهبي.



    الخطبة الثانية
    الحمد لله، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
    أما بعد:
    فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.
    عباد الله، يقول : ((بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء، الذين يصلحون إذا فسد الناس))[1] وفي لفظ: ((الذين يصلحون ما أفسد الناس)) [2].
    أيها المسلمون، بين أن هذا الدين بدأ غريباً في أوله، ثم إنه انتشر وعلا، ثم سيعود غريباً كما بدأ، لكنه أثنى على الغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس، أولئك البقية من أهل العلم والإيمان والبصيرة في دين الله يصلحون ما أفسد الناس، يصلحون ما أفسدوا من أعمال وأقوال وأخلاق، يصلحون ذلك بأن يبصروا الأمة ويدعوهم إلى الصراط المستقيم، ويرشدوهم إلى ما فيه خيرهم وصلاحهم، ويبعدونهم عن كل ما فيه هلاكهم وضررهم، يصلحونهم، فيبصرونهم بالأمور، ويهدونهم صراط الله المستقيم، يصلحونهم في خضم هذه المصائب والفتن، فيرشدوهم إلى الطريق الذي يسيرون عليه، ليسيروا على منهج قويم بعيد عن كل أمور لا تخدم دينهم وعقيدتهم، بعيداً عن كل الفوضى والأمور التي لا خير فيها ولا تخدم هدفاً، ولا تحقق خيراً، إنهم يصلحون الخلق بدعوتهم إلى الله، وتبصيرهم فيما يجب عليهم، هكذا يكون المصلحون، ليسوا دعاة فتنة، ولا دعاة فوضى، ولكن دعاة رحمة ومحبة ومودة وجمع كلمة الأمة، ما وجدوا لذلك سبيلاً، فهؤلاء هم الغرباء، قد يسيء الظن بهم بعض الخلق، فيظن بهم ظنوناً غير صالحة، وذاك لقصور علمه وإدراكه، لأنه يراهم لا ينقادون لكل ما يقال، ولا يصغون لكل ما يقال، وإنما هم أهل بصيرة، يقولون الحق ويدعون إليه، ويحذرون من الباطل ويبينون عواقبه ونتائجه السيئة.
    واعلموا ـ رحمكم الله ـ أن أحسن الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ...



    [1] أخرجه الآجري في الغرباء (ص15-16) من حديث ابن مسعود بسند صحيح ، واللالكائي في شرح الاعتقـاد (2/112) من حديث أبي هريرة ، والطبراني في الكبير (6/164) من حديث سهل بن سعد ، والطحاوي في شرح المشكل (1/298) من حديث جابر ، وأصل الحديث في صحيح مسلم ، كتاب الإيمان [145] من حديث أبي هريرة.

    [2] هذه الرواية أخرجها الترمذي في الإيمان [2630] من حديث عمرو بن عوف المزني ، وقال : "حديث حسن صحيح" ، وهذا تساهل منه ففي السند كثير بن عبد الله شديد الضعف. انظر : مقدمة كتاب الغربة والغرباء لسليم الهلالي.
    عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ




    التعديل الأخير تم بواسطة cbechir ; 03-02-17 الساعة 03:54 PM

  8. #98

    • Offline
    • Banned



    تاريخ التسجيل
    Feb 2017
    المشاركات
    1
    شكراً
    0
    شكر 0 مرات في 0 مشاركات
    اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك


  9. #99

    • Online
    • Super Moderator



    تاريخ التسجيل
    Jul 2013
    المشاركات
    2,806
    شكراً
    60
    شكر 105 مرات في 92 مشاركات
    كيف نقابل نعم الله تعالى ؟

    الخطبة الاولى

    الحمد لله، الحمد لله الولي الحميد، ذي العرش المجيد، الفعَّال لما يُريد، أحمده -سبحانه- وأشكرُه وعدَ الشاكرين بالمزيد، وأشهد أن لا

    إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةَ الإخلاص والتوحيد، وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه أفضلُ الأنبياء وأشرفُ العبيد،
    صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله السادة الأطهار، وأصحابِه البرَرة الأخيار ذوي القول السديد والنهج الرشيد، والتابعين
    ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الوعيد، وسلَّم التسليمَ الكثيرَ المزيد .
    فاتَّقوا اللهَ أيُّها المؤمنونَ، اتَّقوا اللهَ تعالى كما أمرَكم بذلكَ فقالَ :
    (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)
    · معاشر المؤمنين :
    إن الفرد منا لو أحسن إليه أحد من العباد فأخرجه من ضائقة أو قضى له حاجة، أو أعانه على أمر، أو حتى عامله بلطف، فإنه لا
    يعرف كيف يشكره ويرد جميله، بل قد يقول له: إني عاجزعن الشكر، وإن لك علي لفضلا.
    هذا مع عبد من العباد وفي أمر يحصل على قلة وقد لا يتكرر ، فكيف يكون موقفنا مع رب الأرباب ذي الطول والحول العزيز
    الوهاب ؟! الذي يقول: ((وءاتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها )).
    وقال تعالى : ((وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة )) يخبرنا سبحانه وتعالى أنه لا سبيل لعد وحصر نعمه فهي كثيـرة متتابعـة.
    لكننا سنعيش مع بعض منها لنشكره جل وعلا إذ يقول : (( وسنجزي الشاكرين )) .
    والشكر طريق الزيادة : (( لئن شكرتم لأزيدنكم )).
    إن من أعظم النعم يا عباد الله : نعمة الإسلام وإكمال الدين إذ بها صلاح الدارين ويمتن المولى علينا فيقول :
    (( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً )) .
    ومن النعم علينا نعمتا الأمن من الخوف ، والإطعام من الجوع ، ولا يعرف قدر هاتين النعمتين إلا من فقدهما، ومن نظر إلى الأمم
    من حوله فكم من حروب دمرت ونسفت، وكم من مجاعات أكلت وأبادت، ومن النعم اكتمال حواسنا من سمع وبصر وأفئدة :
    (( قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون ))
    ومن نعمه سبحانه سعة ذات اليد فالنبي r يقول: (( من أصبح منكم آمنا فـي سربـه، معافـاً في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما
    حيزت له الدنيا )) أو كما قال فليس منا اليوم أحد إلا وعنده قوت أسبوعه أو شهره، بل قل سنته أو سنواته، ولا ننسى نعمة الزوج
    والذرية إن صلحت .
    ويعجب البعض لو علم أن نعم الله لا تنفك عنا حتى في المصائب فمن نعمه سبحانه في المصيبة إن اتصفنا بصفات الصابرين
    رفع الأجر، ووضع الوزر، وكونها ليست في الدين، وكونها يدفع بها بلاء أعظم منها، وكونها مقدرة وقد وقعت وانتهت .
    إنها نعم كثيرة عظيمة فكيف السبيل إلى حفظها ، وبم نقيدها إنه يا عباد الله الشكر : ((فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون))
    والشكر يكون بالجنان وباللسان وبالجوارح، بالجنان بإسناد النعمة إلى منعمها وبقصد الخير وإضماره لكافة الخلق .



    يقول المصطفى r : (( إن الله ليرضى من العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها ))(2) رواه مسلم.
    ونشكره كذلك في سائر أحوالنا ((وقليل من عبادي الشكور))..
    ويكون شكر الله بجوارحنا بعبادته كما أمر ابتعاداً عن النواهي، وفعلاً للأوامر، وبإظهار نعم الله علينا بلسان الحال والمقال، فالله
    يقول: ((وأما بنعمة ربك فحدث)) .
    أيها الإخوة: وللشكرِ أركانٌ ثلاثة: الاعترافُ بالنعم باطنًا مع محبَّة المُنعِم ، والتحدُّثُ بها ظاهرًا مع الثناء على الله.
    وصرفُها في طاعة الله ومرضاته واجتناب معاصِيه.
    ورؤوسُ النعم ثلاثة: أولُها وأولاها: نعمة الإسلام التي لا تتمُّ نعمةٌ على الحقيقة إلا بها ،ونعمةُ العافية التي لا تستقيمُ الحياةُ إلا بها.
    ونعمةُ الرِّضا التي لا يَطيبُ العيشُ إلا بها.
    يقول الحسنُ البصريُّ -رحمه الله-: "الخيرُ الذي لا شرَّ فيه: العافية مع الشكر؛ فكم من شاكرٍ وهو في بلاء، وكم من مُنعَمٍ عليه
    وهو غيرُ شاكِر. فإذا سألتُم الله -عز وجل- فاسألُوه الشكرَ مع العافية".
    اللهم لك الحمد أولاً وآخراً ، ونشكرك اللهم ولا نكفرك، ونسألك الشكر مع العافية ،بارك الله لي ولكم....


    الخطبة الثانية :

    الحمد لله ذي الجلال والإكرام ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تفرد بالربوبية على الدوام، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله
    ورسوله قام بشكر ربه حق القيام، صلوات ربي عليه وأزكى تحية وسلام ، وبعد :
    فإننا لما عرفنا مقام الحمد والشكر وأهميته نتعرض لمقام أعيذ نفسي وإياكم منه، وهو مقام كفران النعم، فبقدر عظم فضل الشكر
    يكون عظم جرم الكفر، وأعني بالكفر هنا كفران النعم .
    إن من كفر النعم ازدراء نعمة الله علينا، وانتقاصها، وهذا من خصال النفس الدنيئة الطماعة التي لا تشبع ولا تقنع بل تحب أن
    تجمع وتجمع .
    عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله : (( إذا أحب أحدكم أن يعلم قدر نعمة الله عليه فلينظر إلى من هو تحته ولا ينظر
    إلى من هو فوقه ))(1) وعنه كذلك رضي الله عنه قال : قال رسول الله : (( انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من
    هو فوقكم فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله ))(2) فينبغي أن ننظر إلى من هو أسفل منا في أمور الدنيا.
    أما إلى أمور الدين فننظر إلى من هو أعلى منا لأن الدنيا ضيقة والآخرة فسيحة واسعة: وفي ذلك فليتنافس المتنافسون .
    ومن مظاهر كفران النعم ما نراه أحياناً من ممارسات خاطئة، فالذي يقود سيارته بسرعة جنونية ولا يتورع عن إيذاء المسلمين.
    والذي يستغل الهاتف – وهو من النعم العظيمة – في إيذاء خلق الله، والذي يرزقه الله ذرية فلا يهتم بتربيتها، والذي يؤتيه الله مالاً
    فلا يخرج حقه وزكاته، ولا يتطوع بفضوله، والذي يعطيه الله جاها ومنصباً فيستغله في أغراضه الخاصة وفي إذلال الناس،
    كل واحد من هؤلاء يمارس نوعاً من كفران النعم .
    والذي يسرف في مأكله ومشربه ومطعمه فيلقي بفضولها في الطرقات والشوارع ، يمثل نوعاً من كفر النعم.


    ولا ننسى مظاهر الإسراف في المفروشات والسفريات والحفلات وغيرها، إذا كل هذا من كفر النعم
    وقد يظن الجاهل أن تقلبه في نعم ربه دليل رضاه عليه، وإن أسرف وعصـاه، وليـس كذلك ، يقول سبحانه :
    (( سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ))
    قال بعض المفسرين في هذه الآية: ( أي نصب عليهم النعم ونمنعهم الشكر ) .
    وقال آخرون: ( كلما أحدثوا ذنباً أحدث الله لهم لهم نعمة ) .
    وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله : (( إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو
    استدراج )) ثم تلا رسول الله r :
    " فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون " [الأنعام:44](6).
    ولا يظن أحد أن الشكر هو بقول الحمد لله والشكر لله فقط، فقد أسلفنا وبينا كيف يكون الشكر.
    فالشكر يكون باللسان والجوارح والجنان.
    ولا ينس أحد أن يقول في صباحه ومساه مع أذكاره : (( اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك
    الحمد ولك الشكر )) .. ولا ينفك احد منا عن الدعاء ختام الصلاة بأن يقول : " اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ".
    اللهمَّ اهدِنا لأحسنِ الأخلاقِ والأعمالِ والأقوالِ والأهواءِ، لا يهدي لأحسنِها إلا أنتَ، واصرفْ عنَّا سيئَها، لا يصرفْ عنَّا سيئَها
    إلا أنت برحمتِك يا أرحمَ الرَّاحمينَ.
    اللهمَّ أعزَّ الإسلامَ والمسلمينَ، وأذِلَّ الشِّركَ والمشركينَ، ودَمِّرْ أعداءَ الدِّينِ، واجعلْ هذا البلدَ آمناً مُطمئناً سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ
    المسلمينَ، اللهمَّ آمنَّا في أوطانِنا، وأصلحْ أئمتَنا وولاةَ أمورِنا، اللهمَّ وَفِّقْ وليَ أمرِنا بتوفيقِك، وأيِّده بتأييدِك، واجعلْ عملَه في رِضاكَ،
    وهيئ له البِطانةَ الصَّالحةَ النَّاصحةَ، التي تَدلُه على الخيرِ وتعينُه عليه، اللهمَّ أيِّد به العلماءَ والنَّاصحينَ، وأيِّده بهم يا ذا الجلالِ
    والإكرامِ، يا ذا الطَّولِ والإنعامِ.
    اللهم كن لإخواننا المسلمين المستضعفين في كل مكان ، اللهم كن لهم مؤيدا ونصيرا ، ومعينا وظهيرا ، اللهم كن لإخواننا
    المحاصرين المستضعفين في مضايا الشام ، اللهم اجعل شأن عدوهم في سفال ، ورد كيدهم في وبال ، اللهم إنهم مظلومون فانصرهم
    اللهم إنهم جياع فأطعمهم ، ومساكين فارحمهم يا راحم المساكين ، وياناصر المستضعفين اللهم أطعمهم من جوع وآمنهم من خو
    اللهمَّ يا باسطَ اليدينِ بالعطايا، اغفر لنا الذُّنوبَ والخطايا، اللهم أصلحْ لنا شأنَنا كلَّه، ولا تكلنا إلى أنفسِنا طرفةَ عينٍ، اللهمَّ إنا نسألُك
    رِضاكَ والجنَّةَ، ونعوذُ بك من سخطِك والنَّارِ يا عزيزُ يا غفَّارُ، ربنا آتنا في الدُّنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً وقِّنا عذابَ النَّارِ
    برحمتِك ياربَّ العالمينَ.
    اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد
    سبحان ربك رب العزة عما يصفون،،،وسلامٌ على المرسلين،،،وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

    ملتقى الخطباء



  10. #100

    • Online
    • Super Moderator



    تاريخ التسجيل
    Jul 2013
    المشاركات
    2,806
    شكراً
    60
    شكر 105 مرات في 92 مشاركات
    القول على الله بغير علم
    الخطبة الاولى

    الحمد لله الذي شرّف الإسلام على سائر الملل ، ونَسَخ به جميع الشّرائِع والنِّحل ، وكَبَت به أعداءه أهل الضّلالة والزَّلل ، أحمده سبحانه على أن بعث إلينا رسوله محمداً عليه الصلاة والسلام ، وهدانا به إلى دين الإسلام ، وفضَّلنا به على سائر الأنَام ، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، جَلَّ عن الشّبيه وعن المثيل والنَّظير (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين ..
    أما بعد معاشر المؤمنين ..
    يقول الله عز وجل : (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ) .
    وروى الشيخان أنه صلى الله عليه وسلم قال : (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ صدور الرِّجَال، وَلَكِنْ يَـقْـبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا) .
    أيها الأخوة المسلمون :
    إن المتأمِل بعين الإنصاف في مَجالس الناس في هذا الزمان ليرى في بعضها آفاتٍ مؤذية مفسدة لا تُؤذِن بخيرٍ ولا صلاح ، وإن من هذه الآفات التي تَنتشر في بعض الجلسات واللقاءات آفة القول على الله بغير علم ، الُجرأة على الفَتْوَى من غير نَقل ..التوقيع عن رب العالمين من غيرِ دليلٍ ولا أصل وقد حرَّم الله سبحانه وتعالى القَول عليه بغير علم في الفُتْيَا والقضاء وجعله من أعظم المحرمات بل جعله في المرتبة العُليا منها فقال تعالى : (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) .
    قال الإمام ابن القيم : " مَراتب المحرمات أربع مراتب وقد بدأ بأسهلها وهو الفواحش ثم ثنّى بما هو أشدُّ تحريماً منه وهو الإثم والظلم ثم ثلَّث بما هو أعظمُ تحريماً منهما وهو الشرك بالله سبحانه ثم ربّع بما هو أشدُّ تحريماً من ذلك كله وهو القول عليه بغير علم وهذا يَعُم القول عليه سبحانه بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وفي دينه وشرعه " . الاعلام 1/38 .
    وقال رحمه الله :" وإذا كان مَنصِب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا يُنْكر فضلُه ولا يُجهل قَدْرُه وهو من أعلى المراتب السَّنيَّات فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسموات ؟ فحقيقٌ بمن أُقِيم في هذا المنصب أن يعِدَّ له عدته وأن يتأهب له أُهْبَتَهُ وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه ولا يكون في صدره حَرَجٌ من قول الحق والصّدع به فإن الله ناصره وهاديه وكيف وهو المنصب الذي تولاه بنفسه ربُّ الأرباب فقال تعالى : ( ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب) وكفى بما تولاه اللهُ بنفسه شَرفاً وجَلالةً إذ يقول في كتابه : ( يستفتونك قل الله يفتيكم في الكَلَالَة) وليَعلم المفتي عمَنْ يَنوب في فَتواه وليُوقِن أنه مسئولٌ غداً وموقوفٌ بين يدي الله" الأعلام 1/11.
    قال عبد الرحمن بن أبي ليلى : أدركتُ عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول ..) ذكره النووي في أدب الفتوى والمفتي والمستفتي .
    وقال سفيان بن عيينة : أَجْسَرُ النَّاسِ عَلَى الْفُتْيَا أَقَلُّهُمْ عِلْمًا.
    وقال البراء : لقد رأيت ثلاثمائة من أصحاب بدر ما منهم من أحد إلا وهو يحب أن يكفيَهُ صاحِبُهُ الْفُتْيَا .




    أيها الناس :
    وإن الواحد منا عند ما يدخل في بعض المجالس ليَسْمَعُ من الفتاوى والأقاويل والأحكام في دين الله عز جل ما لم يَقُم عليه دليلٌ ولا برهان .. وإذا نظر إلى مظهر هذا المتكلم المُتصدِّر المفتي رآه على غير السبيل .
    رأى رجلٌ ربيعةَ بن عبد الرحمن يبكي فقال : ما يُبكيك ؟ فقال : اسْتُفْتِيَ مَنْ لا عِلْمَ وظهرَ في الإسلام أمرٌ عظيم . لَبَعْضُ مَنْ يُفْتِي هاهُنَا أَحَقُّ بِالسَّجْنِ مِنَ السُّرَّاق.
    وقال الإمام أحمد بن حمدان الحراني الحنبلي بعدما ساق هذا الأثر : فكيف لو رأى زماننا وإقْدَام من لا علم عنده على الْفُتْيَا مع قلة خبرته وسوء سيرته وشُؤمِ سريرته ، وإنما قَصْده السُّمعة وممُاَثلة الفُضلاء والنُّبلاء والمشهورين المستورين والعلماء الراسخين والمتجردين السابقين ، ومع هذا فهم يُنْهَون فلا ينتهون ويُنَبّهون فلا ينتبهون قد أملي لهم بانعكاف الجهال عليهم وتركوا ما لهم في ذلك وما عليهم فمن أقدم على ما ليس له أهلا من فتيا أ قضاء أو تدريس أَثِم فإن أكثر منه وأصّر واستمرّ فسق .. فإنا لله وإنا إليه راجعون .
    فأقول : رحمك الله أيُّها العالم الرباني تَشكو زمانك ! وزماننا أحق بالشكوى فكيف لو رأيت ما وقع في زماننا من التصدر والتقحم على الفتوى ، والتوقيع عن رب العالمين في المجالس والصُّحف والمجلات وغيرها حتى صحَّ ما قاله ابن بطة رحمه الله :
    تَصَـدَّرَ لِلتَّـدْرِيسِ كُـلُّ مُهَـوَّسِ جَهُولٌ يُسَمَّى بِالْفَقيهِ الْمُـدَرِّسِ
    فَحُـقَّ لأَهْـلِ الْعِلْـمِ أَنْ يَتَمَثَّلُـوا بِبَيْتٍ قَدِيمٍ شَاعَ فِي كُلِّ مَجْلِـسِ
    لَقَـدْ هَـزُلَتْ حَتَّى بَدَا مِنْ هُزَالِهَا كُلاهَا وَحَتَّى سَامَهَا كُلُّ مُفْلِـسِ



    معاشر المؤمنين ..
    إن من يتأمل أحوال هؤلاء الناس الذين يتصدرون في دين الله بغير علم يجد الواحد منهم لا يخلو من إحدى هذه الخصال أو منها كلها :
    1- فيجده أنه يُحاول أن يُظهر التَّعالم بين الناس ، فما يكاد من حوله يثيرون مسألةً أو يتكلمون في مبهمة إلا ويتفيهق ويتشدق ليُظهِر نفسه أمامهم في مظهر المثقف العارف المتعلم ، نعوذ بالله من فتن المضلين .
    2- يجده قليل الاستشهاد في كلامه على النصوص الشرعية ، من كتاب أو سنة وأكثر كلامه في الدين برأيه وفكره ومزاجه وذَوْقه دون تدليل وبرهان شرعي وما ذاك إلا لأنه قد قعدت به هِمتُهُ عن طلب العلم وحفظ الآيات والأحاديث ، والأمر كما قال : أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه : (إِيَّاكُمْ وَالرَّأْيَ؛ فَإِنَّ أَصْحَابَ الرَّأْيِ أَعْدَاءُ السُّنَنِ أَعْيَتْهُمُ الْأَحَادِيثُ أَنْ يَعُوهَا وَتَفَلَّتَتْ مِنْهُمْ أَنْ يَحْفَظُوهَا فَقَالُوا فِي الدِّينِ بِرَأْيِهِمْ) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة .
    3- كما أن هذا النوع من الناس قليل الرجوع للعلماء فهو كثيراً ما يفتي نفسه بنفسه ..وسبحان ربي العظيم ، لو نزل بهذا الرجل مرض لما اجتهد رأيه في أخذ الدواء بل يبحث عن الطبيب الناصح ليسأله في مرضه ..أما دينه فلا يحتاط له هذه الحيطة .
    مَا بَالُ دِينِكَ تَرْضَى أَنْ تُدَنِّسَهُ وَثَوْبَكَ الدَّهْر مَغْسُولٌ مِنَ الدَّنَسِ
    كما أن هذا النوع من النَّاس يكون مستكبراً عن قبول الحق إذا بُيِّن له وقليل الرجوع عن قوله أو رأيه .
    4- وهو مع ذلك كله يحب الظُّهور والشُّهرة بل زد على ذلك أنه مُتعصِّب لرأيه يرى أنه دائماً على الصواب وغيره على الخطأ .



    عباد الله :
    فليكن الواحد منا أحرص على فتواه منه على درهمه .. وليعلم أن علماء كباراً تهيبوا عن الكلام في الدين والتوقيع عن رب العالمين ..
    جاء رجل إلى القاسم بن محمد بن أبي بكر فسأله عن شيء فقال : لا أحسنه . فقال السائل : إني جئت إليك لا أعرف غيرك فقال القاسم : لا تنظر إلى طول لحيتي وكثرة الناس حولي .. والله ما أحسنه .. والله لأن يقطع لساني أحب إلي من أن أتكلم بما لا علم لي .
    وسُئِل الشعبي عن شيء فقال : لا أدري فقيل له : ألا تستحي من قولك لا أدري وأنت فقيه أهل العراق فقال :" لكن الملائكة لم تستح حين قالت : لا علم لنا إلا ما علمتنا .
    وقد نبّه الشاعر على ذلك بقوله :
    وَإِنْ بَدَتْ بَيْنَ النَّاسِ مَسْأَلَةٌ مَعْرُوفَةٌ فِي الْعِلْمِ أَوْ مُفْتَعَلَةٌ
    فَلَا تَكُنْ إِلَى الْجَوَابِ سَابِقًا حَتَّى تَرَى غَيْرَكَ فِيهَا نَاطِقَا
    فَكَمْ رَأَيْتُ مِنَ عَجُولٍ سَابِقٍ مِنْ غَيْرِ فَهْمٍ بِالْخَطَأِ نَاطِقُ
    أَزْرَى بِهِ ذَلِكَ فِي الْمَجَالِسِ عِنْدَ ذَوِي الْأَلْبَابِ وَالتَّنَافُسِ
    وَقُلْ إِذَا أَعْيَاكَ ذَاكَ الْأَمْرُ مَالِي بِمَا تَسْأَلُ عَنْهُ خَبَرُ
    فَذَاكَ شَطْرُ الْعِلْمِ عِنْدَ الْعُلَمَا كَذَاكَ مَا زَالَتْ تَقُولُ الْحُكَمَا


    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم .. ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والمواعظ والذكر الحكيم .. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .



    الخطبة الثانية

    أيُّها الإخوة المسلمون :
    قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى :
    "لا ينبغي للرجل أن يعرض نفسه للفُتْيا حتى يكون فيه خمس خصال :
    الأولى : أن تكون له نيِّة صالحة ، وهي أن يخلص لله تعالى في كلامه ولا يقصد تصدراً ولا ظهوراً ولا مدحاً أو ثناء "، بل يقصد بذلك تبليغ دين الله للناس وتعليمهم ورفع الجهل عنهم .
    والثانية : أن يكون له حلم ووقار .. وأن لا يتعجل الجواب وإن كان صحيحا لأن الفُتْيا أمر عظيم .
    قال أبوبكر الخطيب رحمه الله : قلَّ من حرص على الفتوى وسابق إليها وثابر عليها إلا قَلَّ توفيقُه واضطرب في أمره .
    وقال الخليل بن أحمد : إن الرجل ليسأل عن المسألة فيعجل في الجواب فيصيب فأذمه ، ويسأل عن مسألة فيتثبت في الجواب فيخطئ فأحمده .
    الثالثة : - أن يكون على علم ومعرفة لما سُئِل عنه وإلا عرّض نفسه لخطر عظيم وإذا سُئِل عن مسألة لا يعلمها فليتذكر الحصن الحصين : لا أدري . ولا يستحي من قولها .. فقد روى الإمام أحمد والحاكم بسند حسن عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْبُلْدَانِ شَرٌّ؟ فَقَالَ: «لَا أَدْرِي» فَلَمَّا أَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: «يَا جِبْرِيلُ، أَيُّ الْبُلْدَانِ شَرٌّ؟» قَالَ: لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ رَبِّي فَانْطَلَقَ جِبْرِيلُ فَمَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَ ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ سَأَلْتَنِي أَيُّ الْبُلْدَانِ شَرٌّ وَإِنِّي قُلْتُ لَا أَدْرِي، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي فَقُلْتُ: " أَيُّ الْبُلْدَانِ شَرٌّ؟ فَقَالَ: أَسْوَاقُهَا .
    وقال الشعبي : لا أدري هي نصف العلم .
    وقال الإمام أحمد : ليس كل شيء ينبغي أن يتكلم فيه وذكر أحاديث للنبي صلى الله عليه وسلم كان يسأل فيقول : لا أدري حتى أسأل جبريل .
    الرابعة : الكفاية وهي أن لا يَسأل الناس ما في أيديهم .
    الخامسة : معرفته بالناس ، وأن يكون بصيراً بمكرهم وخداعهم لئلا يوقعوه في مكروه.

    معاشر المؤمنين :
    كما أنه ينبغي للرجل إذا أراد أن يتكلم في مجلس من المجالس في مسألة من المسائل : أن يمسك عن الكلام إن كان في المجلس هذا من هو أعلم منه .
    قال يحي بن معين : الذي يحدث بالبلـدة وبها من هو أولى منه بالحديث فهو أحمق .
    كما أنه ينبغي له أن ينسب الأقوال ما استطاع إلى أهلها فإذا نقل كلاماً عن عالم نسبه إلى قائله ؛ لأن في ذلك تعلق للعامة بأهل العلم خاصة العلماء الأحياء ، لكن ينبغي له أن يتبين في نقله فلا ينسب إلى أهل العلم ما لم يقولوه .
    اللهم إنا نسألك أن تعلمنا ما ينفعنا وأن تنفعنا بما علمتنا وأن ترزقنا العمل بما علمناه يا رب العالمين . اللهم احفظ علمائنا ودعاتنا ومشايخنا ووفقهم بتوفيقك .
    اللهم أصلح أحوال المسلمين واكشف عنهم الكروب وأنزل الشر والبأس بأعدائهم ..

    ثم صلوا أيها المسلمون على أكرم نبي وأزكاه فقد أمركم الله بذلك فقال : (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلم تسليماً) .
    عباد الله : ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىظ° وَيَنْهَىظ° عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ غڑ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) فاذكروا الله يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون .


    د. محمد العريفي


صفحة 10 من 11 الأولىالأولى ... 8 9 10 11 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
جميع الآراء و المشاركات المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط , و لا تمثل بأي حال من الأحوال وجهة نظر إدارة المنتدى