على الرغم من الخفوت النسبي للأزمة الحاصلة صلب حركة نداء تونس بعد التوصل إلى توافق صلب الكتلة النيابية،فإنّ الخلافات العميقة و المشاكل الهيكلية للحزب الحائز على أكبر كتلة في البرلمان مازالت ترواح مكانها ما يعني قابليّة تفجّر الأوضاع في كلّ وقت وحين وهو ما من شأنه أن يهدّد بقيّة المسار التأسيسي للجمهورية الثانية،علاوة عمّا يشكلّه ذلك من تأثير سلبي متواصل على الأداء الحكومي وسير عمل الدولة،وسط غموض يكتنف تعاطي حركة النهضة مع الوضع العام في البلاد ولا سيما موقفها و موقعها صلب الإئتلاف الحاكم.
وفي هذا السياق، اعتبر أستاذ التاريخ السياسي المعاصر والمحلل السياسي، عبد اللطيف الحناشي، أن نداء تونس تشكيل سياسي هشّ على المستوى التنظيمي والفكري وما يحدث داخله يبدو أمرا طبيعيّا، مضيفا أن طبيعة الحزب وتركيبته يساعدان على تأجيج تلك الخلافات.
وأوضح عبد اللطيف الحناشي في تصريح لحقائق أون لاين، أن المستفيد الأول مما يحدث في نداء تونس هي الأطراف التي تُغذي الخلافات والتباينات والتناقضات بين مختلف الأطراف المشكلة لهذا الحزب.
وفي نفس السياق، اعتبر محدثنا، أن ما يجري في نداء تونس من خلافات، تبدو طبيعية وكل الأحزاب قد تعيشها وتشهدها حتى التشكيلات المشابهة للنداء، لكن مشكلة الندائيين أنهم نشروا غسيلهم خارج الحزب وفي الفضائيات ومختلف وسائل الإعلام، وهو ما أضرّ بصورة الحزب عند الناس، مؤكدا أن ما يجري داخل نداء تونس سينعكس سلبا على أداء الحكومة التي تضم عددا هاما من الندائيين، كما سيضعف النداء بحد ذاته ويضرّ بالساحة الوطنية في هذه المرحلة على الأقل.
وحول مستقبل الحكومة خصوصا مع إقالة وزير العدل وإن كانت ستشهد تحويرا وزاريا عما قريب، قال عبد اللطيف الحناشي: "مبدئيا نفى رئيس الحكومة إجراء تحوير وزاري، لكن ذلك غير مؤكد، فأوّلا هناك حاجة لترميم الحكومة بعد خروج وزيرين منها، وقد يُستغل ذلك لتغيير وزاري جزئي يشمل بعض وزارات ذات الطابع الخدماتي، ولترضية بعض الأطراف الحزبية التي عبّرت عن عدم رضاها من اداء الحكومة وضعف نصيبها أو تواجدها في حكومة الصيد.
وبين المؤرخ والمحلل السياسي، عبد اللطيف الحناشي، أن تطور الوضع في تونس مرتبط بتطور الأوضاع داخل الأحزاب الكبرى فليس نداء تونس لوحده الذي يعيش خلافات، وهناك مشاكل أحزاب أخرى كبرى تعرف خلافات وتباينات في داخلها لكن بطريقة أكثر عقلانية وبانضباط كبير، كما أن مستقبل البلاد مرتبط بعلاقة الحكومة بالاتحاد العام التونسي للشغل ومدى قدرتهما على ضبط الوضع الاجتماعي والتحّكم فيه.
واستنتج عبد اللطيف الحناشي أن مستقبل البلاد مرهون بتطور الأوضاع الإقليمية وخاصة ليبيا وسوريا وانعكاس ذلك على تونس. قائلا: " نتمنى أن تتمكن الأطراف "المتنازعة" و"المتصارعة" في نداء تونس من تجاوز مشاكلهم الداخلية لأن تواصلها سيؤثرعلى التوازن السياسي الهشّ أصلا في البلاد، مما يؤدي إلى تدهور الوضع السياسي العام ارتباطا بالتداعيات المحتملة لنتائج الصراع في ليبيا.
وفي نفس السياق اعتبر الدبلوماسي السابق والمحلل السياسي عبد الله العبيدي، أن الحكومة لا يمكنها أن تستقر بالمرة طالما أن التشويش مايزال متواصلا عليها من جهات حزبية، ومن بعض الأصوات العالية في الكتل البرلمانية، معتبرا أن المستهدف الأساسي هو رئيس الحكومة، وخاصة من قبل نداء تونس، لأنهم يطلبون موقعه على رأس الحكومة.
وقال عبد الله العبيدي في تصريح لحقائق أون لاين: "لا أتوقع أن يتحسّن أداء الحكومة نظرا لغياب الانسجام داخلها والتظامن الحكومي، فضلا عن غياب الحد الأدنى من الخبرة والمهنية السياسية، وعدم ذهابها في فتح الملفات، ومعالجتها.
وحول موقع حركة النهضة في ظل التطورات السياسية الحاصلة، أوضح العبيدي، أن التجربة التي عاشتها النهضة في الحكم خلال الثلاث سنوات الفارطة أكسبتها نوعا من الخبرة، وأرادوا في هذه التجربة البقاء بعيدا عن الحكم ومواكبين له في نفس الوقت بهدف التريّث والتأمّل وإعادة فهم الأمور.
كما لاحظ العبيدي أن حركة النهضة ليست على عجلة وهي في هذه الأثناء تحاول إعادة بناء أسسها وتمديد هياكلها الحزبية، غير مستبعد أن تكون حركة النهضة في الحكم خلال السنوات القليلة القادمة، قائلا: " لا وجود لأي تنظيم سياسي لديه هيكلة ووضوح والتراتبية كالتي موجودة لدى النهضة، وفق تقديره.
حريّ بالإشارة إلى أنّ النظام السياسي الحالي الذي نصّ عليه الدستور هو برلماني معدّل الأمر الذي يجعل من العملية الديمقراطية في البلاد رهينة وجود أحزاب قويّة قادرة على الحيلولة دون السقوط في أتون مشهد إنتخابي مشتّت تفرزه صناديق الإقتراع وهو ما قد يزيد في تعقيد الأوضاع مستقبلا على شاكلة ما يحدث في لبنان و اليونان.
hakaekonline